أحمد محسن

كان شرطها الأول لتدلي بشهادتها، أن يكون اسمها مستعاراً. الحجاب ليس مزحة، والبيئة الحيوية في الشمال، حيث تقطن، لا تقبل التمرد. لا تحتمل لينا أن تكون سمكة تغرق في محيط التديّن الشمالي. الخطأ ممنوع. فضّلت أن تبتلع حجابها بصمت، على أن تكون سمكةً خاطئة. كان عمرها خمسة أعوام حين انفصل والداها. عاشت مع والدتها، غير الملتزمة دينياً، ومع شقيقها. كانت تزور والدها، لكنها الزيارات، كالفصول، لا تستمر ولا تكفي. انتظرت حتى السابعة عشرة من عمرها، لتأخذ قراراً صعباً. ارتدت الحجاب، على غفلةٍ من المسبّبات. صارت الكحول سماً في نظرها، والملابس الضيقة طريقاً إلى النار. لجأت إلى الله، من أقرب الطرق المتاحة. تغيّر معها أصدقاؤها. كانت ترافق البعض منهم إلى كنيسته، لكنهم، حين تحجبت، رفضوا حجابها.
تبدّل كل شيء تقريباً. الوقت، والرؤيا، والاحتكاك مع المجتمع. الحجاب، كبعض الأشياء في العقائد، متشعّب التفاصيل. لكنه في حالة لينا، كان دافعاً قوياً لالتزام صلب. هكذا اعتقدت، فمشت ومشى حجابها فوق شعرها القصير، يمنع الهواء والأفكار الجديدة من الوصول إلى رأسها. يفترس عيون الناظرين إلى انسداله فوق كتفيها. لم يكن أحد منهم يعلم أنه كان قصيراً، وأنها كانت تحبّه كذلك، لأنها تكره الحر. حافظت على الرقص. الرقص صلاة هو الآخر. لكنه كان مختلفاً. لم تستطع أن تترك لجسدها أن ينمو، في أيّ لحن، على قارعة المكان. ولد لديها الشعور بالحياء. هكذا، كان لا بد لها من عودة، لأن الرقص وحده يبعث على التنفّس. تعقّدت الأمور. ولم يكن الرقص وحده سبباً. في العشرين، عاد النبيذ ليداعب خيال لينا. عادت معه الذاكرة الى أيام كانت تشبهها. فاذا وقفت أمام المرآة، رأت فتاةً أخرى.
خلعت الحجاب وعرف الجميع صورتها الجديدة. لم تتذكر المرايا صورتها القديمة. المرايا تعكس ما تراه فقط. لاحقاً، زارت الأماكن السابقة. صار الله أكثر توازناً فيها. لم يعد شبحاً يهدد بالجحيم. الله لا يحاسب على الكحول، بل في رأيها، يحاسب على النتائج. ترك التدين آثاراً قليلة في رأسها، وعادت إلى الرقص. يقول أصدقاؤها إن رقصها كالظلال. ورغم كل شيء، ستعود إلى الحجاب يوماً ما. هذا ما تعتقده، إلا أن الوقت الآن، لم يسمح للتخلي عن الفرح. وفي هذا، اعتراف ضمني، أو علني، بأن الحجاب، كما رأت فيه، وليس بالضرورة كما هو فعلاً، شكلاً حاجزاً بينها وبين السعادة المعنوية، التي تنقصها منذ الطفولة. تنقصها كثيراً.