«وحشتيني»: نادين لبكي تعود إلى أشباح الماضي

شفيق طبارة
الأربعاء 10 تموز 2024
الخط
هناك نوع من الأفلام المباشرة والواضحة جداً، المكتوبة والمصوّرة بطريقة لا مكان فيها للخطأ. هي لا تفاجئك أبداً ولا يمكنك أن لا تحبّها، لكنك لا تعجب بها كثيراً أيضاً. باختصار، تمرّ من دون إحداث ضجة كبيرة. تستمتع بمشاهدتها، ولكن ما يزعجك أنّها مثالية، محمولةً على أكتاف شخصياتها وممثليها، تمشي بثبات، وكل شيء فيها مدروس. ويمكن القول إنّ «وحشتيني» للمخرج السويسري المصري تامر روغلي، واحد من تلك الأفلام: «خفيف ونظيف»، لا يترك داخلك أي بقعة، تشاهده وتنهيه من دون أي ترسبات.

تعدّ العلاقة مع الأمّ، التقدم في العمر، والهجرة، والعائلة، والحب والموت، من أكثر القضايا المطروقة في السينما، و«وحشتيني»، يعرّج عليها جميعاً بالتساوي تقريباً. بعد أكثر من 20 عاماً، تعود سو (نادين لبكي) إلى موطنها مصر لزيارة والدتها فيروز (الممثلة الفرنسية فاني أردان) التي ترقد على فراش الموت. عندما كانت صغيرة، هربت سو من عائلتها الأرستقراطية وأمها لأسباب عديدة. اليوم، تضطرّ إلى العودة، والرحلة التي تقوم بها من القاهرة إلى الإسكندرية فيها الكثير من الأحداث التي تسمح لها بإعادة اكتشاف جذورها. الطريق هي رحلة إلى ماضيها، مليئة برؤى جميع النساء في حياتها. تزور بعض أفراد الأسرة، والأماكن التي تحمل ذكريات خاصة. طوال الفيلم، نبقى مع سو التي تبدو ــ منذ البداية ــ عاجزة عن التمييز بين الواقع والخيال والهلوسة. ترافقها في هذه الرحلة والدتها وطفل صغير، لكنّ حضورهما يأتي كخيال، كحلم، ويتفاعلان معها. هل تفقد عقلها أم أننا وهي نعيش في الخيال؟ ربما قليلاً من كليهما.

«وحشتيني» دراما نوستالجية خفيفة، لا تحتوي على الكثير من اللحظات المتفجرة المناسبة لهذا النوع، لكنها تسير بخطى جيدة. ما يقدمه لنا روغلي هو مجموعة من اللحظات والمشاهد البسيطة بين سو والأشخاص الذين تقابلهم، وكل منهم يمثل فرصةً للتعرف إليها أكثر، بينما نتعرف إليها وإلى علاقتها مع والدتها. تظهر والدتها بين الحين والآخر لتعلّق على كل شيء في حياة سو، ويقضي الفيلم كل الوقت في مناقشة أسباب هذه العلاقة المضطربة. معظم الأحداث والدراما في الفيلم تأتي من المحادثات بين سو وخيال والدتها والطفل الصغير الخيالي. يحاول روغلي أن يعطي فيلمه بُعداً نسوياً إلى حد ما، عبر الطفل الصغير، الذي يكون بمثابة سؤال عن تخيّل حياتها لو أنّها ولدت ذكراً. لا يقدّم روغلي هذا النص الفرعي بطريقة عميقة، يتركه عائماً بعض الشيء، ما يثير القليل من التساؤلات، التي سرعان ما تختفي مع تقدّم الفيلم.
يتعامل روغلي بشكل كلاسيكي جداً مع فيلمه، فصورته مريحة وأنيقة ومباشرة. يأخذ وقته مع اللحظات، يمشي مع سو في شوارع القاهرة وتصبح البيوت والأماكن متناغمةً مع إيقاع الفيلم. يمشي الفيلم بهذه الطريقة طوال الوقت، حتى نصل إلى الطريق الصحراوي الذي يربط القاهرة بالإسكندرية، بينما تقود سو سيارتها وبجانبها رؤى والدتها. في تلك اللحظة، يصبح الفيلم مباشراً جداً، يشرح نفسه بنفسه، أو تقريباً يقدّم لنا ملخّصاً على كل ما شاهدناه سابقاً. إن الخفّة الذي تعامل بها روغلي مع فيلمه والأحداث، يجعل من مشهد الذروة هذا غير فعّال، ولا يقدم أي شيء جديد، ولا يعطي القوة المناسبة المرجوة منه.

تحمل نادين لبكي وفاني أردان الفيلم على أكتافهما
تعدّ العلاقة مع الأمّ، التقدم في العمر، والهجرة، والعائلة، والحب والموت، من أكثر القضايا المطروقة في السينما، و«وحشتيني»، يعرّج عليها جميعاً بالتساوي تقريباً. بعد أكثر من 20 عاماً، تعود سو (نادين لبكي) إلى موطنها مصر لزيارة والدتها فيروز (الممثلة الفرنسية فاني أردان) التي ترقد على فراش الموت. عندما كانت صغيرة، هربت سو من عائلتها الأرستقراطية وأمها لأسباب عديدة. اليوم، تضطرّ إلى العودة، والرحلة التي تقوم بها من القاهرة إلى الإسكندرية فيها الكثير من الأحداث التي تسمح لها بإعادة اكتشاف جذورها. الطريق هي رحلة إلى ماضيها، مليئة برؤى جميع النساء في حياتها. تزور بعض أفراد الأسرة، والأماكن التي تحمل ذكريات خاصة. طوال الفيلم، نبقى مع سو التي تبدو ــ منذ البداية ــ عاجزة عن التمييز بين الواقع والخيال والهلوسة. ترافقها في هذه الرحلة والدتها وطفل صغير، لكنّ حضورهما يأتي كخيال، كحلم، ويتفاعلان معها. هل تفقد عقلها أم أننا وهي نعيش في الخيال؟ ربما قليلاً من كليهما.

«وحشتيني» دراما نوستالجية خفيفة، لا تحتوي على الكثير من اللحظات المتفجرة المناسبة لهذا النوع، لكنها تسير بخطى جيدة. ما يقدمه لنا روغلي هو مجموعة من اللحظات والمشاهد البسيطة بين سو والأشخاص الذين تقابلهم، وكل منهم يمثل فرصةً للتعرف إليها أكثر، بينما نتعرف إليها وإلى علاقتها مع والدتها. تظهر والدتها بين الحين والآخر لتعلّق على كل شيء في حياة سو، ويقضي الفيلم كل الوقت في مناقشة أسباب هذه العلاقة المضطربة. معظم الأحداث والدراما في الفيلم تأتي من المحادثات بين سو وخيال والدتها والطفل الصغير الخيالي. يحاول روغلي أن يعطي فيلمه بُعداً نسوياً إلى حد ما، عبر الطفل الصغير، الذي يكون بمثابة سؤال عن تخيّل حياتها لو أنّها ولدت ذكراً. لا يقدّم روغلي هذا النص الفرعي بطريقة عميقة، يتركه عائماً بعض الشيء، ما يثير القليل من التساؤلات، التي سرعان ما تختفي مع تقدّم الفيلم.
يتعامل روغلي بشكل كلاسيكي جداً مع فيلمه، فصورته مريحة وأنيقة ومباشرة. يأخذ وقته مع اللحظات، يمشي مع سو في شوارع القاهرة وتصبح البيوت والأماكن متناغمةً مع إيقاع الفيلم. يمشي الفيلم بهذه الطريقة طوال الوقت، حتى نصل إلى الطريق الصحراوي الذي يربط القاهرة بالإسكندرية، بينما تقود سو سيارتها وبجانبها رؤى والدتها. في تلك اللحظة، يصبح الفيلم مباشراً جداً، يشرح نفسه بنفسه، أو تقريباً يقدّم لنا ملخّصاً على كل ما شاهدناه سابقاً. إن الخفّة الذي تعامل بها روغلي مع فيلمه والأحداث، يجعل من مشهد الذروة هذا غير فعّال، ولا يقدم أي شيء جديد، ولا يعطي القوة المناسبة المرجوة منه.
تحمل نادين لبكي وفاني أردان الفيلم على أكتافهما، يظهر في الفيلم كيف يمكن بسهولة أن تجذب أردان الاهتمام في كل مشهد تظهر فيه. ظهرت للمرة الأولى في مشهد وهي ترقص في غرفة معيشة سو، تتمايل بروعتها الخاصة. لا تسيطر أردان على المشهد فقط، بل إنّها تضيف أيضاً رونقاً بسيطاً على خيال ابنتها. عرف روغلي كيف يستخدم هالة أردان، بينما هي تتحرك وتتحدث بطريقة مسرحية أخّاذة. شخصية أردان تتناقض مع الطبيعة المقيّدة لشخصية لبكي، بينما نجحت الأخيرة بشكل كبير في تقديم شخصية الابنة التي تبدو مشلولة تماماً أمام والدتها، تحاول التمرد لكنّ أغلال والدتها أثقل منها. هذا التناقض بين الشخصيتين والأداءان منحت الفيلم ديناميكيةً جذابةً في المشاعر المتصاعدة، عبّرت عنها كل ممثلة بطريقة مختلفة.
* «وحشتيني»: بدءاً من 18 تموز (يوليو) في الصالات اللبنانية
