«وثيقة 14 آذار»: الثنائية الثقافية بين الإقصاء والتمييز

عبد الحليم فضل الله
عبد الحليم فضل الله
الإثنين 24 آذار 2008
الخط
عبد الحليم فضل الله
لم تأت وثيقة 14 آذار على ذكر الشأن الاقتصادي إلا عرضاً، ربما لأنها وثيقة سياسية، والسياسة عند هذا الفريق واهية الصلة بالاقتصاد، أو لأن مصير الدولة بات رهن إرادة المؤسسات والدول الداعمة والوصية، أو لتبني الوثيقة بلا تحفظ برنامج الحكومة الاقتصادي، ذا الركائز الثلاث: تفكيك القطاع العام دون إبطاء، وإطفاء الدين العام ضمن مقاربة محاسبية صرفة، وتبني وجهة نظر البنك الدولي في معالجة نتائج سياسة التحرير الاقتصادي المبالغ فيه دون المس بمبدأ حياد الدولة...
لكن إغفال الجوانب الاقتصادية يتصل أيضاً برفض أهل السلطة القيام بالمراجعات الممنوعة حتى الآن؛ مراجعة المبادئ الاجتماعية والاقتصادية التي استندت إلى تسويات قرن مضى، ومراجعة تجربة التسعينيات التي أطلقت مارد الدين وتركت حبل الأزمة على غاربه، ومراجعة التوافقات الاجتماعيّة التي يفترض أن يقوم على أساسها السلم الأهلي ويستقيم معها تطبيق اتفاق الطائف.
وعندما لامست الوثيقة هموم التنمية والنهضة، فقد وضعتها في إطار تصورها لمكامن القوة التي يملكها اللبنانيون، وتتمثل برأي أصحابها في عنصرين: «شعب معولم قبل العولمة»، وقيم العلم والمعرفة والثقافة التي تؤهل البلد لأن يكون من روّاد اقتصاد المعرفة. لكن التنويه بهذين العنصرين لم يكن للأسف في سياق رؤية بديلة «للتنمية والنهضة»، بل في اتجاه مختلف تماماً، فالعولمة والمعرفة هما في الوثيقة مؤشر الثنائية الثقافية، وميزان التفاضل في صراع حضارات افترض واضعوها أن لبنان ساحة من ساحاته. ولم يكن لدى هؤلاء ما يكفي من الحذر لتمييز خطابهم عن خطاب متطرفي البيت الأبيض الذين سبقوهم إلى اعتبار أن أزمة النظام العالمي هي أزمة ثقافات وقيم لا أزمة مصالح وخيارات، وأن الإمساك بقياد الأمم لا يكون بالسيطرة على مواردها وإمكاناتها فقط، بل بالقبض على رأسمالها الرمزي والتحكم بالمعايير التي تفرّق من خلالها بين الخير والشر، بين الخطأ والصواب. لقد كانت «وثيقة 14 آذار» متطرفة أيضاً، حين أجازت لنفسها رسم خط فاصل بين فئتين من اللبنانيين، فئة مكتملة الحقوق لاستيفائها شرط الانفتاح والتغريب، وأخرى مشكوكة الانتماء ومنقوصة الحقوق، لعدم استيفائها هذا الشرط، ولم يفلح ثناء الوثيقة على التعددية والتنوع المميزين للبنان في إخفاء لغتها المتوترة ونزعتها العنصرية المتعالية وأوهامها عن الفرادة والخصوصية. ليس في الأمر إذاً نظرة خلاقة للنهضة والتنمية كما تنسب وثيقة أهل السلطة لنفسها، فأي نهضة هي التي تأبى مراجعة تجربتها ونقدها، وأي تنمية لا تبحث في فشل التجارب السابقة. ولو أخذنا اقتصاد المعرفة مثالاً على ما في الوثيقة من إطلاق للقول على عواهنه، لجاز لنا أن نرد إليها سؤال: على من تقع مسؤولية تفويت فرصة استثمار الثروات البشرية التي ينعم بها لبنان؟ أتقع على ثقافة المقاومة (ثقافة العنف حسب تعبير الوثيقة) التي ما زال حاملوها عرضة للتهميش والإبعاد منذ بدأ عهد المحاصصة، أم على سياسات أهل السلطة التي وضعت قيمها الاقتصادية والاجتماعية في مرتبة المقدّس، ومنعت أي رعاية أو دعم عن قطاعات المعرفة التي تمكّن لبنان من المنافسة لصالح بؤر المضاربة العقارية والمالية والريعية، وخصصت للبحث العلمي موازنة لا تتعدى 0.05% من الناتج ليساوي مجموعها على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية نصف التعويضات التي استحقتها كسارات ضهر البيدر دون وجه حق، بينما تبلغ هذه النسبة أكثر من 0.3% من الناتج في البلدان النامية القليلة الطموح، وتتجاوز 1% في البلدان التي تود أن تمضي قدماً في درب التطور...
تضع الوثيقة عقبات جمة أمام إمكان أن يستأنف اللبنانيون محاولات التسوية والحوار، وتقدم خدمة جليلة لكل راغب في إدامة تخلف النظام، الذي يقوم اقتصادياً على الاستبعاد وسياسياً على التمييز، ولعل أخطر ما في ورقة الموالاة أنها تعبر عن رفض الوصول إلى توافق اجتماعي جديد؛ وذلك من زاويتين: اعتماد معنى منقوص للسلام، فهو بحسبها سلام سياسي لا اجتماعي، وموجه نحو الخارج لا إلى الداخل، والهروب من الخيار الديموقراطي الحقيقي، القادر على تحقيق الاندماج الوطني وتحقيق الرضى العام، وذلك باتجاه ممارسات فئوية ضارّة وعقيمة، تفوح منها رائحة العنصرية.
وعلى أي حال، ليست وثيقة 14 آذار السياسية إبداعاً محلياً، فهي تستلهم أدبيات معروفة رسمت أيديولوجيا الإدارة الأميركية الحالية، يتبين ذلك في الربط بين تحقيق الديموقراطية والتشدد السياسي، وفي عدم الاعتراف بالإرادة الشعبية إلا إذا صدرت عن أولئك الذين ينتمون إلى رؤيتها «للكون وللعالم»، ويظهر خصوصاً من خلال حصر الديموقراطية بأولئك المنتمين إلى ثقافتها الخاصة. ومن بين ما استلهمته الوثيقة، إلى جانب خطابات جورج بوش المتضمنة ألفاظ السلام والحرية والديموقراطية مئات المرات، «مبادرة الشرق الأوسط الكبير» التي أعلنها كولن باول عام 2003 وأوصت في ما أوصت به بمراجعة مناهج التربية والتعليم، ومقالة «روبرت ساتلوف» عن الفوضى البناءة حيث لمّح إلى ضرورة استبعاد «غير الليبراليين» عن العمليّة السياسيّة في العالم العربي، وأعمال مؤسسة راند للبحوث التابعة للجيش الأميركي، الداعية إلى تصويب مسار الإسلام الذي ضيّع بنظرها طريق الحداثة. ولعل المحافظين الجدد هم الملهم الأكبر لمعدي الوثيقة، الذين دأبوا منذ سبعينيات القرن الماضي على رفض معالجة الأسباب العميقة للأزمات الاقتصادية والاجتماعية، حتى لا يمسّ ذلك ليبراليتهم المفرطة، ووافقوا بالمقابل على أن معالجة المشكلات السياسية (كالإرهاب..) تستدعي «إبادة» العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية المسببة لها.
أسوأ ما في بيان قوى السلطة، أنه يمهد لتحويل الاستبعاد الاجتماعي إلى إقصاء سياسي من شأنه حرمان شرائح بأكملها من حقوق المواطنة والمشاركة، فكأنه بذلك ينصح اللبنانيين باتباع أحد طريقين، إما الانفصال أو الاستئصال، ليصير بإمكان معديه الخلود إلى بيئة صافية لا تشوبها شائبة شراكة أو تنوع.