الخط
محمد زبيب
لا يخفي رئيس الحكومة فؤاد السنيورة معارضته لمبدأ تصحيح الأجور، فهذا الموقف «السلبي»، الذي عبّر عنه أخيراً، بعد مناورات طويلة، ليس موقفاً جديداً، وبالتالي لا علاقة له بالانقسام السياسي القائم حالياً بين فريقي الطبقة السياسية الحاكمة (الأكثرية والأقلية النيابيّتين)، كما يصوّره البعض... بل هو الموقف «الطبيعي» الذي تنتمي إليه كل الحكومات المتعاقبة منذ عام 1992، أو تحديداً، منذ إطلاق ما سمّي «مشروع الإعمار»، أي ذلك الموقف «المدرسي» الذي كان سائداً في العالم، والذي ينطلق، في نظرته إلى قضايا الاقتصاد والمجتمع، من «معادلة رياضية» محددة، تؤدّي دائماً إلى النتيجة نفسها ـ مهما تبدّلت الأحوال وتنوّعت الخصوصيات واختلفت الحاجات ـ وهي ببساطة «أن تحقيق النمو الاقتصادي بمعدّلات مقبولة كفيل وحده بتحقيق الرفاه الاجتماعي لجميع الفئات!».
هذه المعادلة كانت حاضرة بقوّة في خطاب الرئيس السنيورة في السرايا يوم الخميس في 20 آذار 2008 (وهي كانت حاضرة بقوة أكبر في وثيقتي الموالاة في ذكرى 14 آذار وفي الرسالة إلى القمة العربية في دمشق)، إذ حذّر، في مناسبة إطلاق إدارة الإحصاء المركزي الرقم القياسي الجديد لأسعار الاستهلاك، من «أي خطوة غير مدروسة يمكن أن تؤدي إلى نتائج تخالف توقعات الناس...»، وهو قصد بذلك، من دون مواربة، مسألة تصحيح الأجور المطروحة، وهدد المطالبين باستعادة قدراتهم الشرائية كما كانت في عام 1996 (يا له من طموح) «بأن أي خطوة لا يتحمّلها الاقتصاد اللبناني ستؤدي إلى التهاب الأسعار»، مشيراً إلى «أن المعالجة الحقيقية لمشكلة تدهور مداخيل اللبنانيين تكمن، فقط، في إزالة الكوابح التي تمنع نمو الاقتصاد اللبناني».
ولكي يثبت الرئيس السنيورة صحّة تحذيره وتهديده، أورد في خطابه مقاربة «كاريكاتورية» لمسألة النمو وارتباطها بتحقيق العدالة الاجتماعية، فقال «إن لبنان خسر 20 في المئة من ناتجه المحلي، بسبب الأوضاع الأمنية والسياسية السائدة على مدى ثلاث سنوات، أي إن لبنان خسر 5 مليارات دولار مقسمة على 800 ألف عائلة في لبنان، أي إن كل عائلة خسرت ما يزيد على 6 آلاف دولار خلال هذه المرحلة...».
إن هذه المقاربة تريد أن تقنع ذوي الدخل المحدود والفئات المهمّشة بأن أوضاعهم كانت أفضل قبل عام 2005، بمعنى أن أي أزمة اجتماعية لم تكن قائمة بالفعل قبل جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وتريد بالتالي أن تمسح، كالعادة، ذاكرة اللبنانيين (القصيرة أصلاً) التي يُفترض أنها زاخرة بوقائع حيّة ومعيشة عن الفروق الاجتماعية الهائلة، وعملية استقطاب الثروة باتجاه الأثرياء عبر سلسلة هائلة من السياسات والإجراءات المالية والنقدية والضريبية والاقتصادية التي اعتُمِدَت على مدى 15 عاماً، وأدّت إلى تدمير نهائي لما سمي في السابق الطبقة الوسطى، إذ بات أكثر من 59 في المئة من الأسر اللبنانية تعيش بدخل يقل عن 800 دولار شهرياً، بحسب دراسة الجامعة اليسوعية في عام 2001، وباتت حصة 20 في المئة من اللبنانيين الأفقر لا تتجاوز 7 في المئة من مجمل الاستهلاك الوطني، بحسب دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المستندة إلى إحصاءات إدارة الإحصاء المركزي لعام 2004.
لا شك أن النمو ضروري، ولكنه لم يفلح مرة بتحقيق العدالة الاجتماعية التي تحتاج حتماً إلى دولة الرعاية بآلياتها التدخّلية وسياساتها التوزيعية الملائمة.
لا يخفي رئيس الحكومة فؤاد السنيورة معارضته لمبدأ تصحيح الأجور، فهذا الموقف «السلبي»، الذي عبّر عنه أخيراً، بعد مناورات طويلة، ليس موقفاً جديداً، وبالتالي لا علاقة له بالانقسام السياسي القائم حالياً بين فريقي الطبقة السياسية الحاكمة (الأكثرية والأقلية النيابيّتين)، كما يصوّره البعض... بل هو الموقف «الطبيعي» الذي تنتمي إليه كل الحكومات المتعاقبة منذ عام 1992، أو تحديداً، منذ إطلاق ما سمّي «مشروع الإعمار»، أي ذلك الموقف «المدرسي» الذي كان سائداً في العالم، والذي ينطلق، في نظرته إلى قضايا الاقتصاد والمجتمع، من «معادلة رياضية» محددة، تؤدّي دائماً إلى النتيجة نفسها ـ مهما تبدّلت الأحوال وتنوّعت الخصوصيات واختلفت الحاجات ـ وهي ببساطة «أن تحقيق النمو الاقتصادي بمعدّلات مقبولة كفيل وحده بتحقيق الرفاه الاجتماعي لجميع الفئات!».
هذه المعادلة كانت حاضرة بقوّة في خطاب الرئيس السنيورة في السرايا يوم الخميس في 20 آذار 2008 (وهي كانت حاضرة بقوة أكبر في وثيقتي الموالاة في ذكرى 14 آذار وفي الرسالة إلى القمة العربية في دمشق)، إذ حذّر، في مناسبة إطلاق إدارة الإحصاء المركزي الرقم القياسي الجديد لأسعار الاستهلاك، من «أي خطوة غير مدروسة يمكن أن تؤدي إلى نتائج تخالف توقعات الناس...»، وهو قصد بذلك، من دون مواربة، مسألة تصحيح الأجور المطروحة، وهدد المطالبين باستعادة قدراتهم الشرائية كما كانت في عام 1996 (يا له من طموح) «بأن أي خطوة لا يتحمّلها الاقتصاد اللبناني ستؤدي إلى التهاب الأسعار»، مشيراً إلى «أن المعالجة الحقيقية لمشكلة تدهور مداخيل اللبنانيين تكمن، فقط، في إزالة الكوابح التي تمنع نمو الاقتصاد اللبناني».
ولكي يثبت الرئيس السنيورة صحّة تحذيره وتهديده، أورد في خطابه مقاربة «كاريكاتورية» لمسألة النمو وارتباطها بتحقيق العدالة الاجتماعية، فقال «إن لبنان خسر 20 في المئة من ناتجه المحلي، بسبب الأوضاع الأمنية والسياسية السائدة على مدى ثلاث سنوات، أي إن لبنان خسر 5 مليارات دولار مقسمة على 800 ألف عائلة في لبنان، أي إن كل عائلة خسرت ما يزيد على 6 آلاف دولار خلال هذه المرحلة...».
إن هذه المقاربة تريد أن تقنع ذوي الدخل المحدود والفئات المهمّشة بأن أوضاعهم كانت أفضل قبل عام 2005، بمعنى أن أي أزمة اجتماعية لم تكن قائمة بالفعل قبل جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وتريد بالتالي أن تمسح، كالعادة، ذاكرة اللبنانيين (القصيرة أصلاً) التي يُفترض أنها زاخرة بوقائع حيّة ومعيشة عن الفروق الاجتماعية الهائلة، وعملية استقطاب الثروة باتجاه الأثرياء عبر سلسلة هائلة من السياسات والإجراءات المالية والنقدية والضريبية والاقتصادية التي اعتُمِدَت على مدى 15 عاماً، وأدّت إلى تدمير نهائي لما سمي في السابق الطبقة الوسطى، إذ بات أكثر من 59 في المئة من الأسر اللبنانية تعيش بدخل يقل عن 800 دولار شهرياً، بحسب دراسة الجامعة اليسوعية في عام 2001، وباتت حصة 20 في المئة من اللبنانيين الأفقر لا تتجاوز 7 في المئة من مجمل الاستهلاك الوطني، بحسب دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المستندة إلى إحصاءات إدارة الإحصاء المركزي لعام 2004.
لا شك أن النمو ضروري، ولكنه لم يفلح مرة بتحقيق العدالة الاجتماعية التي تحتاج حتماً إلى دولة الرعاية بآلياتها التدخّلية وسياساتها التوزيعية الملائمة.

