علاقة مفقودة بين النمو والتضخّم في الاقتصادات العربية

فراس ياسين
الإثنين 16 تشرين اول 2006
الخط
فراس ياسين
شهد عدد من الدول في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، ولا سيما تلك المصدرة نفطاً، نمواً اقتصادياً غير مسبوق، من دون ان ينعكس ضغوطاً تضخمية
لطالما كان الاستقرار الاقتصادي يشكل نقطة التقاء بين سياسات الحكومات والمصارف المركزية. ويقوم هذا الاستقرار بشكل أساسي على التوازن بين معدلات النمو والبطالة والتضخم. بيد ان جدلية العلاقة بين تلك المعدلات جاءت معاكسة.
وفي النظر الى تلك المعدلات في الدول العربية، يبرز تباينان: الاول بين الدول العربية، وخصوصا بين الدول المصدرة نفطا والمستوردة اياه. والثاني، وهو الابرز، بين واقع تلك المعدلات نظريا في معظم دول المنطقة، المصدرة نفطا او المستوردة اياه.
ففي الاول، شهدت الدول العربية المصدرة نفطا والمستوردة عمالة نموا قويا بلغ 7.2 في المئة في 2005، بحسب التقرير الاخير للبنك الدولي، ارتفاعا من 6.5 في المئة في 2004. وبلغ التضخم 3 في المئة في مقابل 1.6 في المئة. أما الدول العربية المستوردة نفطا، فشهدت نموا بواقع 4 في المئة في 2005، من 4.8 في المئة في 2004. بينما استقر التضخم على 5.6 في المئة.
اما البطالة، فقد شهدت تراجعا في معظم دول المنطقة بشكل يفوق التوقعات في السنوات الخمس الماضية. لكنها بقيت مرتفعة نسبيا بمعدل 12.2 في المئة في 2005.
وهنا يبرز التباين الثاني، حيث ان التغيرات في معدلات البطالة والنمو لا تناسب حجم التغيرات في معدلات التضخم واسعار الاستهلاك الاساسية، بحسب دراسة لصندوق النقد الدولي، ولا سيما في ظل التدفق القوي للأموال، واعتماد بعض الدول سياسة مالية يفترض ان تقود، نظريا، الى معدلات تضخم مرتفعة. لذلك هل يمكن الاستنتاج ان ثمة خطباً في النظرية؟ بالطبع لا. لكن، من دون شك، هناك أحجية تستوجب تفسيرات.
تشير الدراسة الى ان التوازن بين دور الحكومات في معظم دول منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا ودور مصارفها المركزية مفقود، بحيث يغلب الاول على السياسة النقدية للمصارف. وهو ما يعرف بالاقتصادات غير الريكاردية (non-Recardian)، اي ان الضغوط التضخمية تحددها، بشكل رئيس، موازنة الحكومة وحجم العجز فيها، واسعار صرف العملات، وحجم الدين العام، لا الكتل النقدية في السوق.
وفي هذا المجال، وفي ظل معدل فائدة مستقر، تؤدي قدرة الحكومة على سداد العجز في الموازنة وخدمة الدين العام وخفضه الدور الاساس في ثقة المستهلكين من جهة وثقة مختلف القطاعات الانتاجية من جهة ثانية، للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. ففي المملكة العربية السعودية مثلا، بلغ النمو 6.6 في المئة في 2005، لكن الفائض في الموازنة تضاعف الى نحو 18.4 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، الامر الذي سمح للحكومة بخفض الدين العام 25 نقطة مئوية الى 39.6 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي. ويتوقع ان يتراجع 23 نقطة مئوية اخرى في 2006، الى نحو 17 في المئة. وفي ظل تلك المعدلات بلغ التضخم 1.1 في المئة في 2005، ويتوقع ان يتراجع الى 1 في المئة في 2006. لذلك، تشير الدراسة الى ان السياسة النقدية في دول منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا لا يمكنها تفسير التحولات في الاسعار، وبالتحديد، فإن النمو القوي للكتلة النقدية، ولا سيما في الدول المصدرة نفطا، لم يرافقه ارتفاع في الضغوط التضخمية طالما ان في استطاعة الحكومة التحكم بالدين العام وتوفير موارد الانفاق. بالطبع، لا ينفي ذلك أهمية دور السياسة النقدية، لكن في ظل وضع مالي مريح للحكومة، تكسب السياسة النقدية مرونة اكبر من دون ان تنعكس ضغوطا تضخمية.
وبالاضافة الى ما تقدم، فإن النمو في الكتل النقدية ناجم بشكل اساس من ارتفاع العائدات النفطية، لا من ضخ النقد من قبل المصارف المركزية (M2)، ما انعكس على اداء اسواق المال العربية، التي ارتفعت قيمتها بشكل ملحوظ في 2005، حيث ارتفع المؤشر المركب لصندوق النقد العربي الذي يقيس الاداء العام لهذه الاسواق بواقع 91.6 في المئة، مقارنة مع 2004، بحسب التقرير الاخير للمؤسسة العربية لضمان الاستثمار. ولم ينعكس ارتفاعا في أسعار المستهلكين. وإن الفائض في السيولة في النظام المصرفي لم يقابله طلب قوي على المال، ما ساهم ايضا في الحد من الضغوط التضخمية.
شهد عدد من الدول في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، ولا سيما تلك المصدرة نفطاً، نمواً اقتصادياً غير مسبوق، من دون ان ينعكس ضغوطاً تضخمية
لطالما كان الاستقرار الاقتصادي يشكل نقطة التقاء بين سياسات الحكومات والمصارف المركزية. ويقوم هذا الاستقرار بشكل أساسي على التوازن بين معدلات النمو والبطالة والتضخم. بيد ان جدلية العلاقة بين تلك المعدلات جاءت معاكسة.
وفي النظر الى تلك المعدلات في الدول العربية، يبرز تباينان: الاول بين الدول العربية، وخصوصا بين الدول المصدرة نفطا والمستوردة اياه. والثاني، وهو الابرز، بين واقع تلك المعدلات نظريا في معظم دول المنطقة، المصدرة نفطا او المستوردة اياه.
ففي الاول، شهدت الدول العربية المصدرة نفطا والمستوردة عمالة نموا قويا بلغ 7.2 في المئة في 2005، بحسب التقرير الاخير للبنك الدولي، ارتفاعا من 6.5 في المئة في 2004. وبلغ التضخم 3 في المئة في مقابل 1.6 في المئة. أما الدول العربية المستوردة نفطا، فشهدت نموا بواقع 4 في المئة في 2005، من 4.8 في المئة في 2004. بينما استقر التضخم على 5.6 في المئة.
اما البطالة، فقد شهدت تراجعا في معظم دول المنطقة بشكل يفوق التوقعات في السنوات الخمس الماضية. لكنها بقيت مرتفعة نسبيا بمعدل 12.2 في المئة في 2005.
وهنا يبرز التباين الثاني، حيث ان التغيرات في معدلات البطالة والنمو لا تناسب حجم التغيرات في معدلات التضخم واسعار الاستهلاك الاساسية، بحسب دراسة لصندوق النقد الدولي، ولا سيما في ظل التدفق القوي للأموال، واعتماد بعض الدول سياسة مالية يفترض ان تقود، نظريا، الى معدلات تضخم مرتفعة. لذلك هل يمكن الاستنتاج ان ثمة خطباً في النظرية؟ بالطبع لا. لكن، من دون شك، هناك أحجية تستوجب تفسيرات.
تشير الدراسة الى ان التوازن بين دور الحكومات في معظم دول منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا ودور مصارفها المركزية مفقود، بحيث يغلب الاول على السياسة النقدية للمصارف. وهو ما يعرف بالاقتصادات غير الريكاردية (non-Recardian)، اي ان الضغوط التضخمية تحددها، بشكل رئيس، موازنة الحكومة وحجم العجز فيها، واسعار صرف العملات، وحجم الدين العام، لا الكتل النقدية في السوق.
وفي هذا المجال، وفي ظل معدل فائدة مستقر، تؤدي قدرة الحكومة على سداد العجز في الموازنة وخدمة الدين العام وخفضه الدور الاساس في ثقة المستهلكين من جهة وثقة مختلف القطاعات الانتاجية من جهة ثانية، للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. ففي المملكة العربية السعودية مثلا، بلغ النمو 6.6 في المئة في 2005، لكن الفائض في الموازنة تضاعف الى نحو 18.4 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، الامر الذي سمح للحكومة بخفض الدين العام 25 نقطة مئوية الى 39.6 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي. ويتوقع ان يتراجع 23 نقطة مئوية اخرى في 2006، الى نحو 17 في المئة. وفي ظل تلك المعدلات بلغ التضخم 1.1 في المئة في 2005، ويتوقع ان يتراجع الى 1 في المئة في 2006. لذلك، تشير الدراسة الى ان السياسة النقدية في دول منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا لا يمكنها تفسير التحولات في الاسعار، وبالتحديد، فإن النمو القوي للكتلة النقدية، ولا سيما في الدول المصدرة نفطا، لم يرافقه ارتفاع في الضغوط التضخمية طالما ان في استطاعة الحكومة التحكم بالدين العام وتوفير موارد الانفاق. بالطبع، لا ينفي ذلك أهمية دور السياسة النقدية، لكن في ظل وضع مالي مريح للحكومة، تكسب السياسة النقدية مرونة اكبر من دون ان تنعكس ضغوطا تضخمية.
وبالاضافة الى ما تقدم، فإن النمو في الكتل النقدية ناجم بشكل اساس من ارتفاع العائدات النفطية، لا من ضخ النقد من قبل المصارف المركزية (M2)، ما انعكس على اداء اسواق المال العربية، التي ارتفعت قيمتها بشكل ملحوظ في 2005، حيث ارتفع المؤشر المركب لصندوق النقد العربي الذي يقيس الاداء العام لهذه الاسواق بواقع 91.6 في المئة، مقارنة مع 2004، بحسب التقرير الاخير للمؤسسة العربية لضمان الاستثمار. ولم ينعكس ارتفاعا في أسعار المستهلكين. وإن الفائض في السيولة في النظام المصرفي لم يقابله طلب قوي على المال، ما ساهم ايضا في الحد من الضغوط التضخمية.
