نجحت ضغوط منظمات حقوقية ونقابة العاملات الأجنبيات ومجلس الكتاب العدل في إجبار المديرية العامة للأمن العام على التراجع عن طلبها بمنع العمال الأجانب الذين ينتمون إلى الفئتين الثالثة والرابعة من الارتباط طوال فترة عملهم في لبنان. انتصر الحب فعلياً هنا، أمام قرارات الأمن العام المجحفة والظالمة بحق العاملات، إذ وصل الأمر بالمديرية لأن تعتبر نفسها مخوّلة في التحكّم بحياة الناس الشخصية، كأن تقرر مثلاً إذا كان بإمكانهم تأسيس عائلة.


فقد أصدرت وزارة العدل في الأول من تموز تعميماً طلبت فيه «من جميع الكتاب العدل اعتبار التعميم الآنف الذكر (أي تعميم منع الارتباط) بحكم الملغى والعودة الى الصيغة المعتمدة سابقاً في تنظيم تعهد الكفالة للعمال الأجانب». واعتبرت الوزارة أنّ تعميمها السابق، الصادر في 1 تشرين الأول 2014 والمبني على الكتاب الموجه من المدير العام للأمن العام في 22 أيلول 2014، «بموضوع إضافة فقرة الى التعهد بالمسؤولية الذي ينظم لكفالة العمال الأجانب في لبنان، يتعارض مع مبدأ الحريات وحقوق الإنسان التي تشدد عليها المنظمات والمواثيق الدولية». وعليه، طلبت من وزارة الداخلية والبلديات، وفق ما ورد في التعميم الأخير، إعادة النظر بنص التعهد المطلوب من قبلها والرجوع عنه إذا أمكن، فأتى «جواب وزارة الداخلية إيجابياً ورأت أنه لا مانع لديها يحول دون إلغاء هذا التعميم».
التعميم الذي صدر في الأول من الشهر الجاري، تبلّغه أمس جميع الكتاب العدل الذين رحّبوا بالخطوة الإيجابية للوزارة التي استجابت لكتابهم المقدّم باسم مجلس الكتاب العدل في 10 حزيران 2015. وكان المجلس قد رفض في كتابه أن تسجّل في سجلات الكتاب العدل وفي سجل تاريخ لبنان مثل هذه الارتكابات التي تعتبر وصمة عار، وأرسل كتاباً مشابهاً الى وزارة الداخلية والبلديات بواسطة وزارة العدل، طالباً منها إلغاء التعميم نظراً لتعارضه مع حقوق الإنسان.
كذلك، وجهت 7 جمعيات من ضمنها الهيئة التأسيسية للنقابة العامة لعمال وعاملات التنظيفات والرعاية الاجتماعية، بتاريخ 13 أيار 2015 كتاباً الى وزارة العدل، طلبت فيه إلغاء التعميم رقم 1778، عارضةً بالتفصيل المخالفات الكثيرة الناتجة من التعميم والتي تنتهك عدداً كبيراً من الحقوق والمبادئ القانونية والاتفاقيات.
يرى المدير التنفيذي للمفكرة القانونية المحامي نزار صاغية أنّ ما حصل هو من «الحالات النادرة التي تتجاوب فيها الإدارة مع مطلب من هذا النوع، وخصوصاً أن الكتاب الذي رُفع من قبل الجمعيات وُجّه أيضاً باسم نقابة عاملات المنازل، وهو أمر مهم جداً نتمنى أن يكون بداية لإعادة النظر بجميع آلية تنظيم العمال الأجانب ووقف الاتجار بالبشر». ويعتبر صاغية أنّ «هذا القرار مشجّع أيضاً لمهنة الكتاب العدل الذين تمكنوا عبر مجلسهم، من إعادة التوازن بين الفكر الحقوقي والتنظيمات الأمنية التي حاولت أن تأخذ مساحة أكبر في الفترة الأخيرة، إلا أن التعميم الأخير أعاد تصويب المسار وشكّل انطلاقة جيدة لمجلس الكتاب العدل في الدفاع عن حقوق الإنسان»، شاكراً أيضاً المديرة العامة لوزارة العدل ميسم النويري التي لعبت دوراً مهماً في دفع الأمور بهذا السياق. وتقول جاما، أمينة سر الهيئة التأسيسية للنقابة العامة لعمال وعاملات التنظيفات والرعاية الاجتماعية إنّ «النقابة سعيدة بهذا القرار، لكن يبقى هناك الكثير من الانتهاكات التي يجب أن نناضل لإلغائها، وسيشكل هذا القرار دفعاً لنا من أجل تحسين أوضاعنا»، مضيفةً إنه «حتى عندما أخذ الأمن العام قرار منع الارتباط، هل ظنوا أنهم قادرون على التحكّم بالمشاعر؟ لم تلتزم العاملات بهذا القرار، فمن هم ليقرروا حياتنا؟».