أول من أمس، سلّمت رئيسة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية، كلودين عون روكز، رئيس الحكومة سعد الحريري مشروع قانون يرمي إلى تعديل بعض البنود وإضافة أخرى إلى قانون الجنسية اللبناني لجهة «إقرار حق المرأة اللبنانية المتزوجة بأجنبي بمنح جنسيتها لأولادها منه».

تلك اللحظة انتظرتها أمهات كثيرات ناضلن - ولا يزلن - لمنح أولادهن حقوقاً بديهية. غير أنها لحظة راكمت خيباتهنّ. فالمشروع بدا وكأنه وضع لحفظ ماء الوجه، أو من باب «القيام بالواجب».
في الشكل، مشروع القانون مقتضب، ويقتصر عملياً على أسباب موجبة وثلاث مواد أساسية، ومادة رابعة هي «اللازمة» التي تلحق بكل المشاريع وتقول بـ«العمل به فور صدوره في الجريدة الرسمية». أما المضمون، فدونه درب طويلة قبل نزع «فتيل» السنوات الثمانين التي مضت على إقرار قانون الجنسية الذي كان أساس حرمان اللبنانيات من منح جنسيتهن لأبنائهنّ.
وإذ يحسب للمشروع أنه خطوة إضافية ومحاولة من الدولة لكسر الجليد، إلا أن ثمة اعتراضاً مبدئياً عليه، ينطلق من المادة الأولى. فرغم أن هذه المادة تنصف في جزء منها الأم اللبنانية، من خلال إضافة بند إلى المادة الأولى من قانون الجنسية يقول بأن «كل شخص مولود من أم لبنانية مقترنة بأجنبي يعدّ لبنانياً»، إلا أنه يقصر ذلك على «الأولاد القاصرين للأم اللبنانية المقترنة بأجنبي الذين لم يبلغوا عمر الثامنة عشرة عند تاريخ نفاذ القانون والحالات الجديدة التي تنشأ بعد تاريخ النفاذ». أما البالغون، فيمنحهم المشروع «green card” مجانية تولي «حاملها الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية التي يتمتع بها اللبنانيون، باستثناء الحقوق السياسية وحق تولي الوظائف العامة على اختلافها وحق تملك الحقوق العينية العقارية الاّ من خلال قانون اكتساب غير اللبنانيين الحقوق العينية العقارية في لبنان»!
هذا ما يقوله القانون بالحرف. القاصر الأجنبي يُمنح جنسية أمه اللبنانية، فيما أخوه الراشد يحرم منها، حتى لو كانا تحت سقفٍ واحد. وهذا ما تتبعه مشكلة أخرى تتجلى بحرمان أبناء الراشدين في ما بعد من الجنسية. يعني ذلك، أولاً، أن مشروع روكز الذي تنصّ أسبابه الموجبة على إلغاء التمييز بين الرجل والمرأة استناداً الى الدستور والإتفاقيات الدولية التي يوقّع عليها لبنان، خالف روح الدستور والإتفاقيات نفسها، ممارساً «تمييزاً واضحاً تجاه النساء، وذلك عبر الابقاء على التمييز بين النساء والرجال في قانون الجنسية، والتأكيد تالياً على أن ما يحق للرجل اللبناني وأسرته لا يحق للمرأة اللبنانية وأسرتها». وهو أوّل ردّ واجهت به حملة «جنسيتي حق لي ولأسرتي» الإقتراح. في هذا الإطار، تفنّد كريمة شبّو، ممثّلة الحملة، التمييز بأنه يفرّق بين امرأة ورجل أولاً، وبين أم وأم أخرى ثانياً، ليبلغ ذروة الإبتكار في التمييز بين «أولاد الأم الواحدة». هكذا، على قاعدة «نصّ الألف خمسمية»، يعطي المشروع ولداً جنسية والدته اللبنانية ويعطي شقيقه الراشد بطاقة لجوء بمسمى جديد.
الإعتراض الآخر أمام المشروع هو على تلك البطاقة الخضراء. فهذه تعطي حاملها نصف حقوقه. رغم ذلك، لا يمكن الحصول عليها تلقائياً، بل دونها شروط، منها أن يتقدم طالبها «بطلب إلى وزارة الداخلية والبلديات، مرفقاً بكل المستندات الثبوتية المطلوبة (...)، على أن تتولى الأخيرة دراسة الطلب وتقدّم تقريرها متضمنا ملاحظاتها وتوصياتها لجهة قبول الطلب أو رفضه خلال مهلة ثلاثة أشهر على الأكثر من تاريخ التسجيل لديها». أما في حال الفوز بها، يفترض أن «يبقى رصيناً كي لا يفقدها مجدداً»، تقول المحامية إقبال دوغان. إذ تنص المادة الثانية من المشروع على أن «البطاقة الخضراء تُسحب من حاملها بقرار قضائي إذا فقد أياً من شروط الحصول عليها (...)».

المشروع يفرّق بين الامرأة والرجل، وبين أم وأم أخرى، ويبلغ ذروة الإبتكار بالتمييز بين الأخوة!


هكذا، إذا ما نجح في اجتياز «قطوع» الخمس سنوات، يصبح بإمكان الراشد ابن اللبنانية وشقيق القاصر اللبناني(!) التقدم بطلب لنيل الجنسية اللبنانية. وهذه لن تكون، بالتأكيد، تلقائية ولا مجانية. إذ يستوجب الحصول عليها جملة شروط، منها أن يحافظ على سجله نظيفاً «لا حكم عليه»، وعلى إقامة شرعية على الأراضي اللبنانية. هذه الطلبات التي سيعيد حامل البطاقة الخضراء تقديمها إلى وزارة الداخلية ستبقى «خاضعة للمراقبة، والخوف هنا من الإستنسابية في قبول منحه الجنسية من عدمه لأن كل الأمور في البلد توزن في ميزان الطائفية»، تقول شبو.
ثمة ناحية أخرى من الإعتراضات على الإقتراح، وهو أن «الحق لا يمكن تجزئته»، يقول مصطفى الشعار، مسؤول حملة «جنسيتي كرامتي». يرفض الشعار أن تكون الجنسية محور نقاش وفصل، فالمطلوب «هو منح الجنسية لمن ولدوا من أمٍ لبنانية على قدم المساواة مع من ولدوا من أب لبناني». وهذه نقطة أساسية تنطلق منها المحامية دوغان، حرصاً على «ضمان الحق الأصلي من دون تمييز». تقدر دوغان «حرص الدولة على الجنسية اللبنانية، ولكن ماذا عن المساواة؟». لا تجد لوصف ما يحدث سوى بـ«المشكلة الولّادة»، إذ أنه «عندما نحرم راشداً من الحصول على جنسية والدته اللبنانية، ضمن ضوابط معينة، فنحن نحرم أولاده تالياً». هنا، لا يحلّ الكارت الأخضر المشكلة، وإنما يدحرجها كي تكبر لاحقاً!