لم يحتج النازحون في الشمال إلى كثير من الوقت ليعتادوا على المكان الجديد الذي يزوره العديدون منهم للمرة الأولى، يتنقلون بخفّة بعدما تعرفوا على الحي والشارع والسوق، وحتى أماكن التنزه وشمّ الهواء. في الضنية، حركة الأسواق ازدادت، وتكاد في كل شارع تصادف سيدة نازحة تؤمن لوازم «المنزل المؤقت» وحاجات عائلاتها اليومية. وتلاقي العائلات النازحة ترحيبا من أصحاب المحال ومراعاة في الأسعار، ففي محل لبيع اللحوم مثلا، يسأل صاحب الملحمة عائلة من الجنوب ما إذا كانت قد واجهت مشاكل خلال انتقالها ويطمئن إن كان ينقصها شيء، فيسارع ابن السابعة في الرد: «لا ينقصنا شيء، والمكان هنا جميل وتذكرني أشجار الزيتون بزيتون الجنوب».
يعود اعتياد العائلات النازحة على مكان النزوح والطمأنينة إلى لهفة أبناء الشمال عليهم واحتضانهم الشعبي فور وصولهم، عندما انتظروا سيارات الوافدين ووزعوا عليها قوارير المياه، وأرشدوا النازحين إلى مراكز الإيواء. قضى محمد، أحد أبناء المنية، ثلاثة أيام في مواكبة النازحين وجمع التبرعات وتوزيعها عليهم، برأيه، «هذا واجب وطني إنساني تجاه أهلنا الذين يحملون قضيتنا». ومع امتلاء مراكز الإيواء بالنازحين، فتح طرابلسيون لفتح منازلهم واستقبال العائلات النازحة، وهم على فقرهم لم يبخلوا في تقاسم رغيف الخبز وتوفير المساعدات المادية والعينية، كل بحسب قدرته.
في مكتبه في جبل محسن، يدير نائب الشمال حيدر ناصر توزيع الفرش والثياب والأدوية. صحيح أن المدارس في جبل محسن فتحت أبوابها للنازحين بالتنسيق مع وزارة التربية، «لكن المبادرات الأهلية كانت الأبرز حيث استضاف الأهالي العديد من العائلات النازحة، وقدموا لهم مساعدات كالفرش والملابس وغيرها، إلى جانب استقبال الحالات الصحية وتقديم العديد من الأدوية والمستلزمات الطبية»، بحسب ناصر. وتفقد عدد من رجال الدين في البداوي العائلات النازحة وسجلوا النواقص التي يحتاجونها، وساعدت الجمعيات في الإغاثة مثل جمعية الرباط التي جمعت بيانات النازحين وقدمت لهم بعض المساعدات، كذلك فعلت لجان الأهالي بتوفير مساعدات غذائية وطبية، وبرز دور لجمعية الإسعاف الشعبي في فتح مستشفى ميداني للمساعدة الطبية.
هذه اللحمة الوطنية لم تساعد النازحين في الشمال في تأمين احتياجاتهم الأساسية فحسب، لكنها خففت عنهم وقع النزوح الذي يحمل معه ندبات وضغوطا نفسية، ففي حين كان رامي ولارا يضعان اللمسات الأخيرة على منزل الزوجية في الأوزاعي «وجدنا أنفسنا نجهّز منزل النزوح في البداوي»، تقول لارا التي تشعر «بالضغط النفسي بسبب القصف العنيف على بيروت وتأجيل حلمي في الزواج». لكن، «مساعدة الجيران لنا وتقديم المساعدات كالفرش والأغطية والأهم منذ ذلك الدعم المعنوي الذي لاقيناه مدّنا بالأمل بالعودة منتصرين إلى ديارنا».

