بيروت على قياس أوتوستراد

راجانا حمية
راجانا حمية
الإثنين 28 كانون الثاني 2013
الخط

في العام 1966، وضع المهندس المعماري الفرنسي إيكو شار مخططاً تنظيمياً لمدينة بيروت. يومها، رسم المهندس بيروت كما رآها. مدينة هادئة بلا صخب، ترمي بزحمتها على أطرافها العارية التي لم تكن قد امتلأت بعد. وعلى أساس هذه الرؤية، هندس الرجل خطة سير العاصمة التي لم تكن قد تشعّبت بعد مدناً، بحيث تتحصّن ــ مستقبلاً ــ من الزحمة الخانقة وترتبط بكل ما يحيط بها. فأخرج إلى النور فكرة مشروع الأوتوستراد الدائري الذي يمتد من طبرجا إلى خلدة، مخترقاً أقضية كسروان والمتن الشمالي وبعبدا وعاليه.
بعد ولادة فكرة المشروع، كان من المفترض أن يكون السيناريو على الشكل التالي: تقوم الدولة بإصدار مرسوم يقضي باستملاك الأراضي التي يعبرها الأوتوستراد، من خلال وضع الإشارات عليها بعد دفع البدلات لأصحابها بطبيعة الحال، وإعطاء هؤلاء مهلة للاعتراض. وإذا ما تمت الأمور بشكلٍ طبيعي، تقوم الدولة بعدها، أو حتى قبل صدور المرسوم، بإجراء المناقصات اللازمة لتلزيم المشروع والبدء بتنفيذه.
هذا في المبدأ. أما في المنطق اللبناني، فقد بات السيناريو كالآتي: مرت 46 عاماً. مات إيكو شار. أصدرت الدولة مرسوم الاستملاك ووضعت يدها على أملاكٍ لم تدفع عنها فلساً واحداً، ولم ينفّذ المشروع بعد، وإن كان مجلس الإنماء والإعمار يؤكد غير ذلك. والأهم من ذلك كلّه، تغيّرت معالم المدينة، ولم يعد للمخطط الذي رسم على مقاس مدينة الستينيات أية أهمية الآن، بعدما امتلأت المساحات العارية بالأبنية وحرّرت مناطق عدة من المشروع. وتبدّلت غالبية الممرات التي كان من المفترض أن يمرّ بها المشروع أو ألغيت. وما بقي منها، يعمل على إلغائه، لانتفاء الحاجة له «وهنا، تقوم بلدية سن الفيل بإلغاء البروتيلات الثلاثة الأخيرة التي كان من المفترض مرور إيكو شار فيها»، يقول النائب نبيل نقولا.
ترتّب على هذا السيناريو حجز أملاكٍ تقدّر بملايين الأمتار المربعة، بحيث لا يحق لمالكيها التصرّف بها، والحجة أن «التخطيط ما زال ساري المفعول»، حسب ما يقول مصدر مسؤول في مجلس الإنماء والإعمار، وهو المجلس المكلّف بتنفيذ التصاميم التفصيلية لتخطيط شبكة الأوتوسترادات في ضواحي بيروت. لكن، ما الذي يمكن أن يقدّمه مشروع مرّت عليه أربعة عقود ونصف العقد في مدينة تتغير معالمها في كل لحظة؟ وما هي قيمته الفعلية اليوم؟
في متن الحكاية التي بدأت قبل تلك العقود، يتوقف سكان المناطق «المستملكة» بعض أراضيها للدولة عند الجدوى الفعلية للأوتوستراد «الذي لم يعد دائرياً». يعودون بذاكرتهم إلى 27 تشرين الأول من العام 1966، عندما أصدرت الدولة المرسوم رقم 5821 الذي قضى باستملاك الأراضي. يومها، لم يُعطَ هؤلاء مهلة للاعتراض على المشروع، ولا أُعطوا في مرحلة لاحقة البدلات عن أملاكهم التي وضعت الدولة يدها عليها. مع ذلك، انتظروا. مرّت السنوات، ولم يأتهم الخبر عن ذلك الأوتوستراد. وعندما ضاقت النفوس ذرعاً، بدأت الأصوات تتعالى لاسترجاع «المحجوزات».
بقيت الحال على ما هي عليه، حتى العام 2006، عندما طرحت مسألة المخططات «التي مرّ عليها الزمن»، ولم تنفّذ. وبتاريخ 22 كانون الأول من العام نفسه، صدر القانون رقم 58، الذي قضى بتعديل قانون الاستملاك للعام 1966. وقد ذكر هذا القانون في المادة 17 أن «مراسيم تصديق التخطيط النافذة بتاريخ نشر هذا القانون والتي لم يمض على تاريخ صدورها 20 سنة سارية المفعول، على أن لا تزيد مدة نفاذ أي منها عن 25 سنة، وتبقى مراسيم تصديق التخطيط التي انقضى على صدورها أكثر من 20 سنة سارية المفعول خمس سنوات فقط من تاريخ نشر هذا القانون». وتابع «إذا انقضت المهلة ولم تقرّر الإدارة المعنية المباشرة في تنفيذ الاستملاك، اعتبر المرسوم كأنه لم يكن وبدون أي مفعول ووجب على الإدارة المختصة أن تطلب من أمين السجل العقاري ترقين القيود الناتجة عنه». هلّل أصحاب الأملاك للقانون، لكنهم لم يبادروا إلى شطب الإشارات عن أملاكهم بعد صدوره مباشرة، رغم مرور 40 عاماً في حينها على مشروع إيكو شار، وانتظروا كي تنتهي مهلة السنوات الخمس.
كان انتظار هذه السنوات القليلة (انتهت أواخر 2011) أثقل من الأربعين عاماً بطولها. وبعد انتهائها، حملوا أوراق أملاكهم الرسمية لشطب الإشارات عنها في السجل العقاري. في 12 كانون الثاني 2012، حمل الشقيقان توفيق وفيليب طعمة أوراقهما إلى أمانة السجل العقاري في المتن لشطب الإشارات عن عقارهما في منطقة الزلقا. كان في البال أن كل ما تحتاج إليه عملية الشطب «بضعة إجراءات روتينية»، يقول قريبهما المحامي كمال طعمة. غير أن الأمر سار على غير ما يشتهون، فقد ردّ أمين السجل العقاري طلبهما «لأن أمانة السجل العقاري لا تعلم ما إذا كانت الإدارة المعنية قد باشرت بإجراءات التنفيذ». وتابع «حتى لو استطاعوا ترقين الإشارات في السجل، فهم غير قادرين على ترقينها في دائرة التنظيم المدني». وهنا الكارثة.
رفض «الأمين» إذاً، رغم أن «القانون لا يبلّغ وإنما يطبّق»، يقول النائب نبيل نقولا. ولما لم تشطب الأمانة الإشارة، تقدم الشقيقان بدعوى أمام المحكمة الابتدائية، طعناً بالقرار الصادر عن أمين السجل، التي قبلت الطعن شكلاً «وفي الأساس، قضت بفسخ القرار الصادر عن أمين السجل والحكم بترقين إشارة التخطيط عن الصحيفة العينية للعقار المذكور سنداً لأحكام المادتين 17 و18 من قانون العام 2006».
لكن، حتى هذا الحكم لم يسعف الشقيقين. فلا السجل العقاري شطب ولا هو يقبل أصلاً الاعتراف، بحجة أن ذلك يجب أن يتم «بناء على طلب الإدارة المختصة». وهنا، تكمن المشكلة. مشكلة تحديد هوية الإدارة المختصة «اللي فوق» أمانة السجل العقاري، والتي ضاعت بين مجلس الإنماء والإعمار ووزارة الأشغال العامة والنقل. فرفض أمين السجل مبني على وصول كتابٍ من وزارة المالية آتٍ بدوره من وزارة الأشغال يطلب فيه «الوزير غازي العريضي بعدم ترقين إي إشارة دون الرجوع إليه». وهو ما يخالف تماماً ردّ الوزارة نفسها على كتاب تقدّم به أحد المالكين يوسف حنا أبو حبيب، يطلب فيه ترقين إشارة عن الصحيفة العينية لعقاره. فقد ردّت الوزارة بأن «الجهة التي تقوم بالاستملاك والتنفيذ هي مجلس الإنماء والإعمار وبناء عليه». وهو ما يخالف تالياً ردّ المجلس الذي يعيد القرار تارة «إلى الوزير»، والذي يؤكد طوراً أن لا ترقين «والمخطط ما زال ساري المفعول».
لكن، من هو المسؤول عن ضياع «الطاسة»؟ من يجيب الأهالي الضائعين بين قانون لا تنفذه «الإدارة المختصة» وبين مسؤولين لا يعرفون إن كان المشروع بدأ فعلاً أم لا؟
في الجواب القانوني، هناك دستور «يحمي الملكية الفردية، بحسب المادة 15 منه»، يقول نقولا. وعلى هذا الأساس، وإن كان لا بد للمخطط أن يقطع «فيجب استملاك الأراضي بطريقة شرعية، أي إعطاء الناس حقوقهم، لا معاقبتهم في أملاكهم وأرزاقهم». وهنا، تكمن المعضلة، فهل الدولة قادرة على دفع بدلات استملاك عن ملايين الأمتار في مناطق يقدّر المتر المربع الواحد ما بين 3 آلاف و5 آلاف دولار أميركي؟ وهو أمر مستحيل بطبيعة الحال وقد يحتاج لأكثر من 8900 مليار!
أما الجواب الواقعي: الملاكون «فقراء». يهرّبون لقمة العيش. يستجدون «فاتورة الدواء»، يقول نقولا. والدولة؟ «مولعة بالمشاريع ــ التحفة»، يقول أحدهم. وبعبارة أوضح: مستعدة لتغيير مدينة لتلائم مشروعاً. وما التعديلات الخمسة التي قامت بها على المشروع إلا «تمديد للحياة»، يتابع نقولا.
وهي الصيغة نفسها التي تتمسك بها الدولة للقول إن المشروع ما زال ساري المفعول. ففي ردّ على رسالة «الأخبار» عن المشروع، يشير مجلس الإنماء والإعمار إلى أنه «سبق للإدارة المختصة وقامت بالمباشرة في تنفيذ الاستملاك الناتج عن التخطيط المصدّق بالمرسوم 5821 والمعدل بالمراسيم...، وعلى هذا يكون التخطيط المذكور ما زال ساري المفعول، ولا يمكن طلب ترقين إشارة عن صحائف العقارات المصابة به عملاً بالمادة 17 من قانون العام 2006». وفي رسالة أخرى عن مكان تنفيذ المشروع وجدواه بعد 40 عاماً، اكتفى المجلس باعتذار.
وعلى هذا الأساس، يشير المحامي طعمة، الذي يتابع دعوى مراجعة إبطال المخطط ضد الدولة اللبنانية ــ وزارة الأشغال العامة والنقل ومجلس الإنماء والإعمار أمام مجلس شورى الدولة، إلى أنه في حال استكمال المشروع «يفترض بالدولة إلغاء الأول وتصميم مخطط آخر يتلاءم مع تغييرات المدينة». لكن، ماذا لو تمّ تنفيذه كما هو؟ الحال هنا قد تكون «كارثية». قد يجرف حيواتٍ نبتت في المكان المحظور، ويخنق الهواء في مناطق امتلأت مع السنين «ومنها منطقة ضبيه، فبحسب المخطط ستصب 8 خطوط هناك بعد توقف المشروع بعد تعديله في هذه المنطقة التي بالكاد تحتمل 4 خطوط». وهنا السؤال: هل ينقص المنطقة زحمات إضافية؟



اقتصاص 20 متراً إضافياً

بعد 46 عاماً من الانتظار، ضاق أصحاب الأملاك المحجوزة ذرعاً، باحثين عما يمكن أن يعيد إليهم أملاكهم. وفي هذا الإطار، تقدّم صاحب العقار 277 في منطقة انطلياس يوسف حنا أبو حبيب إلى مجلس شورى الدولة بدعوى مراجعة إبطال «قرارات مجلس الإنماء والإعمار ووزارة الأشغال العامة والنقل وإعلان سقوط مفاعيل المرسوم رقم 5821 والمرسوم رقم 9638 وإعلان انعدام وجودهما وبالتالي شطب اشارتهما عن الصحيفة العينية العائدة للعقار». وعلى المراجعة، كان جواب المجلس «رد الدعوى شكلاً لورودها خارج المهلة القانونية ولعدم صلاحية مجلس شورى الدولة البحث بمدى ملاءمة التخطيط والاستملاك استناداً لأحكام المادة 91 من نظام المجلس». وبعد سلسلة من الأخذ والرد، ظل الجواب «باشرنا الأشغال». أما الجديد، فهو طلب مجلس الشورى من المجلس الأعلى للتنظيم المدني، بطريقة مخالفة للقانون، وضع المنطقة قيد الدرس. وبرغم أنها تعدّ بمثابة «اعتراف ضمني بأن المرسوم ساقط»، إلا أن هذا «الوضع» يزيد إشارات الترقين إشارة إضافية. ولعل الأسوأ، هو «اقتصاص 20 متراً إضافية من العقارات المحيطة بتلك المرقنة».