«الأمن القومي الأميركي» شأن شخصي

فراس أبو مصلح
الإثنين 30 كانون الأول 2013
الخط
مخطئ من يعتقد أن «الأمن القومي» للولايات المتحدة الأميركية ليس شأناً داخلياً لبنانياً، بل شأن شخصي بامتياز. فـ«العم سام»، الذي يهيمن على النظام المالي العالمي الرسمي، يريد اليوم أن يسيطر على التداول بـ«العملات الافتراضية» خوفاً من أن تتحوّل إلى قناة أساسية لا تخضع لمراقبته. تفرض الإدارات الأميركية المعنية، على المصارف وسائر القنوات المالية، تزويدها بمعلومات واسعة عن العملاء والزبائن: معلومات شخصية تفصيلية عن صاحب العلاقة وعائلته. الحجّة هي مكافحة تبييض الأموال و«الإرهاب». إلا أن اتساع التعامل بالعملات الافتراضية بات يُعتبر تحدياً لهذه الهيمنة المطلقة، بل إن تقارير استخبارية وجلسات استماع في الكونغرس الأميركي اعتبرت العملات الافتراضية، وخاصة «بيتكوين» Bitcoin، بمثابة «التهديد للأمن القومي الأميركي». برزت «العملات الافتراضية» كوسيلة لتحويل الأموال بغير القنوات النظامية التي تسيطر عليها سلطات الولايات المتحدة بنحو شبه مطلق. العملات هذه أنواع: منها ما يُكتسب ويُستعمل داخل العالم الافتراضي حصراً، في شبكات التواصل الاجتماعي والألعاب الشبكية network games مثلاً، ومنها ما يمكن شراؤها بالعملة الحقيقية، لشراء سلع وخدمات افتراضية، وأحياناً حقيقية، ولا يمكن إعادة تحويلها إلى عملة حقيقية. ومن هذه العملات ما يمكن شراؤها وبيعها كأي عملة حقيقية، عبر مؤسسات أو «منصات» صيرفة، ويمكن شراء سلع وخدمات، افتراضية وحقيقية، بواسطتها. النوع الأخير من هذه العملات بات يُستعمل لتحويل الأموال خارج سيطرة المؤسسات الحكومية ورقابتها.
أشهر العملات الافتراضية، «بيتكوين» Bitcoin، التي تعمل عبر شبكة لامركزية من الحواسيب الخاصة، يعمل مشغلوها على التحقق من صحة تحويل العملة بين الحسابات، أي الـ«محافظ» الافتراضية على الحواسيب والهواتف الذكية. جذبت بيتكوين المضاربين، فتذبذبت أسعارها، وطغى استعمالها للمضاربة على استعمالها للتبادل، ما طرح تساؤلات بشأن صلاحية العملة كمخزن للقيمة. لكن ذلك لا يقلل من أهمية «بيتكوين» وسيلةً لتحويل الأموال، محلياً ودولياً، بين أشخاص مجهولي الهوية، وبكلفة منخفضة جداً، وبغياب أي سلطة مركزية قادرة على إيقاف عملية التحويل أو تجميدها، وخاصة أن الوقت الذي تستغرقه عملية التحويل دقائق، لا ساعات أو أيام، ما يقلل من أثر تذبب السعر.
سمّت «وزارة الأمن الوطني» الأميركي «بيتكوين» «تهديداً ناشئاً»! وفي تشرين الثاني الماضي، عقب إغلاق موقع إلكتروني يدعى «طريق الحرير»، يجري بيع وشراء الممنوعات عبره باستخدام العملة المذكورة، ناقشت لجنة من الكونغرس الأميركي المسألة. رئيس اللجنة، ثوماس كاربر، قال في افتتاح الجلسة: «العملات الافتراضية، و«بيتكوين» على وجه الخصوص، أطلقت خيال البعض، وأخافت البعض الآخر، وسببت إرباكاً هائلاً بالنسبة إلى البقية منا»! جينيفر شاسكي كالفيري، مديرة «شبكة مكافحة الجرائم المالية» FinCEN، وهي وكالة تابعة للخزينة الأميركية مهمتها «محاربة تبييض الأموال وممولي الإرهاب»، طالبت خلال الجلسة بإلزام منصات تبادل العملات الافتراضية بالتسجيل لدى وكالتها، وتطبيق بروتوكولات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والاحتفاظ بسجلات عن المعاملات. ما تطلبه كالفيري هو إجبار العملات الافتراضية على الانضواء تحت السيطرة الكاملة لوكالة استخباراتها المالية، أسوة بالقنوات «النظامية» لتحويل الأموال، من مصارف ومؤسسات مالية.
تريد الاستخبارات المالية الأميركية أن تزيل «التهديد» المتمثل بإمكانية تحويل الأموال دون الاضطرار إلى فتح حساب مصرفي، مثلاً، وملء استمارة «اعرف عميلك» Know Your Customer، التي تطلب معلومات مهنية وعائلية وشخصية تفيصلية، منها: المستوى التعليمي ومهنة الزوجة وهوية رب عملها، وما إذا كان السكن ملكاً أو مستأجراً، وتفاصيل عن صاحب العمل وحقل العمل إذا كان الشخص موظفاً، وإذا ما كان الشخص متقاعداً، عليه أن يذكر رب عمله السابق، وآخر رتبة وظيفية حملها. وعلى «العميل» أن يصرّح عن إيراداته السنوية الإجمالية المتوقعة، وإيراداته السنوية المتوقعة المحولة لحسابه، وأن يصرّح عن مصدر أمواله الواردة لحسابه، ومصادر دخله الأخرى، وعن أي علاقات مالية مع مصارف أخرى... وإذا كان لـ«العميل» مؤسسته الخاصة، فعليه أن يصرح عن مصادر الأموال المستثمرة فيها، ووجهة استثمارات المؤسسة، وإيراداتها السنوية المتوقعة، وما إذا كانت الإيرادات تتذبذب موسمياً، ورقم المؤسسة الضريبي، وأسماء الشركاء وأعضاء مجلس الإدارة والمديرين التنفيذيين، وأسماء الموردين والزبائن الأساسيين، وأشياء كثيرة أخرى!
وكالة الاستخبارات المالية الأميركية المذكورة تطلب كل هذه المعلومات، وتطلب من المصارف أن تنشط بشكل مستمر للتحقق منها Due Diligence، تحت طائلة «تحميل رئيس مجلس الإدارة المسؤولية الكاملة عن عدم التنفيذ»، كما ورد في تعميمات «هيئة التحقيق الخاصة» في مصرف لبنان، على سبيل المثال. والتعميم رقم 128 الصادر عن مصرف لبنان الذي يفرض على المصارف والمؤسسات المالية تأسيس «وحدة امتثال» لمعايير الوكالة الأميركية تلك. فالسرية المصرفية التي تسمح بالتهرب الضريبي، وتحول دون إقرار مشروع قانون «الإثراء غير المشروع» («من أين لك هذا؟»)، هي فقط إزاء الشعب و«مؤسسته الكبرى»، أي الدولة، وليس إزاء «العم سام» ووكالات استخباراته التي أدى «تنسيق» المصارف اللبنانية معها إلى المشاركة الفعالة في الحصار الأطلسي لسورية وإيران، وإغلاق «البنك اللبناني الكندي» وعدد من مؤسسات الصيرفة، بـ«تهمة» التعامل مع حزب الله.
أشهر العملات الافتراضية، «بيتكوين» Bitcoin، التي تعمل عبر شبكة لامركزية من الحواسيب الخاصة، يعمل مشغلوها على التحقق من صحة تحويل العملة بين الحسابات، أي الـ«محافظ» الافتراضية على الحواسيب والهواتف الذكية. جذبت بيتكوين المضاربين، فتذبذبت أسعارها، وطغى استعمالها للمضاربة على استعمالها للتبادل، ما طرح تساؤلات بشأن صلاحية العملة كمخزن للقيمة. لكن ذلك لا يقلل من أهمية «بيتكوين» وسيلةً لتحويل الأموال، محلياً ودولياً، بين أشخاص مجهولي الهوية، وبكلفة منخفضة جداً، وبغياب أي سلطة مركزية قادرة على إيقاف عملية التحويل أو تجميدها، وخاصة أن الوقت الذي تستغرقه عملية التحويل دقائق، لا ساعات أو أيام، ما يقلل من أثر تذبب السعر.
سمّت «وزارة الأمن الوطني» الأميركي «بيتكوين» «تهديداً ناشئاً»! وفي تشرين الثاني الماضي، عقب إغلاق موقع إلكتروني يدعى «طريق الحرير»، يجري بيع وشراء الممنوعات عبره باستخدام العملة المذكورة، ناقشت لجنة من الكونغرس الأميركي المسألة. رئيس اللجنة، ثوماس كاربر، قال في افتتاح الجلسة: «العملات الافتراضية، و«بيتكوين» على وجه الخصوص، أطلقت خيال البعض، وأخافت البعض الآخر، وسببت إرباكاً هائلاً بالنسبة إلى البقية منا»! جينيفر شاسكي كالفيري، مديرة «شبكة مكافحة الجرائم المالية» FinCEN، وهي وكالة تابعة للخزينة الأميركية مهمتها «محاربة تبييض الأموال وممولي الإرهاب»، طالبت خلال الجلسة بإلزام منصات تبادل العملات الافتراضية بالتسجيل لدى وكالتها، وتطبيق بروتوكولات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والاحتفاظ بسجلات عن المعاملات. ما تطلبه كالفيري هو إجبار العملات الافتراضية على الانضواء تحت السيطرة الكاملة لوكالة استخباراتها المالية، أسوة بالقنوات «النظامية» لتحويل الأموال، من مصارف ومؤسسات مالية.
تريد الاستخبارات المالية الأميركية أن تزيل «التهديد» المتمثل بإمكانية تحويل الأموال دون الاضطرار إلى فتح حساب مصرفي، مثلاً، وملء استمارة «اعرف عميلك» Know Your Customer، التي تطلب معلومات مهنية وعائلية وشخصية تفيصلية، منها: المستوى التعليمي ومهنة الزوجة وهوية رب عملها، وما إذا كان السكن ملكاً أو مستأجراً، وتفاصيل عن صاحب العمل وحقل العمل إذا كان الشخص موظفاً، وإذا ما كان الشخص متقاعداً، عليه أن يذكر رب عمله السابق، وآخر رتبة وظيفية حملها. وعلى «العميل» أن يصرّح عن إيراداته السنوية الإجمالية المتوقعة، وإيراداته السنوية المتوقعة المحولة لحسابه، وأن يصرّح عن مصدر أمواله الواردة لحسابه، ومصادر دخله الأخرى، وعن أي علاقات مالية مع مصارف أخرى... وإذا كان لـ«العميل» مؤسسته الخاصة، فعليه أن يصرح عن مصادر الأموال المستثمرة فيها، ووجهة استثمارات المؤسسة، وإيراداتها السنوية المتوقعة، وما إذا كانت الإيرادات تتذبذب موسمياً، ورقم المؤسسة الضريبي، وأسماء الشركاء وأعضاء مجلس الإدارة والمديرين التنفيذيين، وأسماء الموردين والزبائن الأساسيين، وأشياء كثيرة أخرى!
وكالة الاستخبارات المالية الأميركية المذكورة تطلب كل هذه المعلومات، وتطلب من المصارف أن تنشط بشكل مستمر للتحقق منها Due Diligence، تحت طائلة «تحميل رئيس مجلس الإدارة المسؤولية الكاملة عن عدم التنفيذ»، كما ورد في تعميمات «هيئة التحقيق الخاصة» في مصرف لبنان، على سبيل المثال. والتعميم رقم 128 الصادر عن مصرف لبنان الذي يفرض على المصارف والمؤسسات المالية تأسيس «وحدة امتثال» لمعايير الوكالة الأميركية تلك. فالسرية المصرفية التي تسمح بالتهرب الضريبي، وتحول دون إقرار مشروع قانون «الإثراء غير المشروع» («من أين لك هذا؟»)، هي فقط إزاء الشعب و«مؤسسته الكبرى»، أي الدولة، وليس إزاء «العم سام» ووكالات استخباراته التي أدى «تنسيق» المصارف اللبنانية معها إلى المشاركة الفعالة في الحصار الأطلسي لسورية وإيران، وإغلاق «البنك اللبناني الكندي» وعدد من مؤسسات الصيرفة، بـ«تهمة» التعامل مع حزب الله.
