القاهرة | «قد ينتهي الأمر بالمصريين إلى تفجير السدّ». هكذا علّق الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على أزمة «سدّ النهضة»، مع استمرار إثيوبيا في بنائه لتخزين نحو 74 مليار متر مكعب على نهر النيل، من دون التوصّل إلى اتفاق ملزم مع دولتَي المصبّ، مصر والسودان. تصريحاتٌ رأت فيها القاهرة أنها «الأعنف» تجاه أديس أبابا منذ إخفاق المفاوضات التي رعاها ترامب في شباط/ فبراير الماضي، جرّاء الانسحاب الإثيوبي منها قبل التوقيع على وثيقة الاتفاق، وذلك عقب مفاوضات دامت أربعة أشهر بمشاركة وزراء الخارجية والريّ في البلدان الثلاثة. أيضاً، يرى المصريون في كلام ترامب «انتقاداً مبطّناً» للسودان بعد تراجعه عن التوقيع على الاتفاق نفسه، نتيجة الانسحاب الإثيوبي.

مصرياً، استُقبل الخطاب الأميركي بالترحيب، الذي مَثّل مؤشّراً جديداً إلى مصلحة النظام الحالي في استمرار ترامب رئيساً للولايات المتحدة أولاً، وثانياً السعي المصري إلى الاستفادة من هذا الموقف في ممارسة مزيد من الضغوط على إثيوبيا، وخاصة مع وقف المساعدات الأميركية عن الأخيرة، كما تقول مصادر مطّلعة في القاهرة، التي يدور الحديث فيها عن اعتقاد الرئيس الأميركي بأن مصر تغافلت عن عملية بناء السدّ في سنواته الأولى. تشرح المصادر أن حديث ترامب عن كون السدّ مسألة حياة أو موت للمصريين «واقعي»، لكن «التفكير في تفجير السدّ لم يكن خياراً وحيداً لدى الإدارة المصرية التي تعمل على اتّباع التفاوض من أجل تحقيق أهدافها، فيما هناك الكثير من البدائل التي تُمكّن إثيوبيا من تحقيق أهدافها التنموية من دون الإضرار بالمصريين ومصالحهم المائية». أمّا بالنسبة إلى السودان، فالظاهر أن ثمّة اشتراطات عليه، منها العمل مع مصر على حلّ أزمة السدّ، مقابل ما سيحصل عليه من دعم أميركي قريباً.
في المقابل، ردّت إثيوبيا بقوة على ترامب، لكن من دون تصعيد. إذ إن البيان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء، أبي أحمد، لم يتضمّن ذكر الرئيس الأميركي أو الولايات المتحدة بالاسم، وإنما أكد استمرار بناء السدّ، وأنه ليس هناك قوة يمكنها إيقافه. أما الردّ العملي، فكان استدعاء السفير الأميركي لدى أديس أبابا، مايكل راينور، لإبلاغه أن «التحريض على حرب مع مصر ليس مقبولاً». مع هذا، ترى المصادر نفسها أن «رسالة ترامب إلى أديس أبابا وصلت، فالاستمرار في الخطوات الأحادية لن يكون في مصلحتها على المدى القريب، وخاصة إذا استمرّ أحمد في الحكم لولاية ثانية، لأن مساعدات واشنطن قد تتوقف كلياً ما لم يتمّ التوصّل إلى اتفاق يضمن حقوق الدول المطلّة على حوض النيل».

اشترى ترامب «كارتاً» رابحاً بدعم مصري كامل لسياسته في المنطقة


عملياً، أراح ترامب المفاوضَ المصري الذي تجنّب ذكر الخيار العسكري وحتى التلويح به، مع أنه كان خياراً قائماً ومتوقعاً، على رغم أن احتمال تنفيذه بقي ضعيفاً جدّاً لما له من تداعيات ليس على مصر فقط، بل على الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي ككلّ. والآن، ترى القاهرة أن انتقاد ترامب للانسحاب الإثيوبي من الاتفاق المرعيّ أميركياً بعد حلّ معظم القضايا العالقة هو دعم كبير للموقف المصري، الذي يؤكد أن ما حدث يتكرّر اليوم في المفاوضات التي يرعاها الاتحاد الأفريقي، والمستمرّة منذ أشهر من دون نتائج، وخاصة مع رفض أديس أبابا أيّ بنود ملزمة لها من الناحية القانونية على المدى الطويل. صحيح أن تأخر تعليق واشنطن قد أضرّ بمسار المفاوضات، لكن توقيته الآن مفيد مصرياً، في حين أن اختبار نتائجه على أرض الواقع سيكون بعد الانتخابات الأميركية، وخاصة أن مساحات التوافق بين القاهرة ومنافس ترامب، جو بايدن، أقلّ بكثير، ما سيزيد تعقيدات الموقف في حال خسارة ترامب.
في الخلاصة، تنقل مصادر أن مصر ستحصل على «دعم أميركي غير محدود» عند إعادة القضية إلى مجلس الأمن مجدداً، وهي خطوة مرتقبة، ولا سيما مع إخفاق الوساطة الأفريقية الجارية. كما أن السيناريوات المصرية الراهنة تتضمّن خيارات متعدّدة لاتخاذ مواقف استباقية، وسط توقّعات بتعنّت إثيوبي حتى إجراء الانتخابات البرلمانية التي ستحدّد شكل الحكومة الجديدة. انتخاباتُ ترى القاهرة أن نتائجها، سواء باستمرار أحمد أو تولّي غيره الحكومة، ستكون حاسمة في هذا الملف.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا