عوض أن يدفع قرار مصرف لبنان، القاضي بتعديل آلية دعم قروض الإسكان، صنّاع القرار إلى البحث الجدي عن حلّ شامل لملف السكن، تركّز البحث على مستقبل القطاع العقاري وإمكانية هبوط الأسعار وإلى أي حد، وكأنه في حال تراجعها بشكل كبير سيصبح تملك منزل أسهل. المشكلة الفعليّة تكمن في أن الحديث يدور حول «قيمة» الأرض والشقة بصفتها سلعة بدل أن يتمحور حول دور الأراضي الاجتماعي، وكيفية تسخيرها لخدمة الناس وتأمين الحد الأدنى من حقوقهم.

على مشارف الانتخابات النيابية يطلب من الشعب التوجه إلى صناديق الاقتراع لأن صوته قادر على دحر هذا المشروع الإقليمي أو ذاك. غريب أمر هذا الصوت القادر على التصدي لأكبر المؤامرات الخارجية وغير القادر على أن يفرض على من سينتخبهم أن يعملوا على وضع ملف السكن في سلّم أولوياتهم!
والمسألة لا تقتصر على السلطتين التشريعية والتنفيذية، لا بل إن البلديات لها دور مؤثر في ملف السكن لو وجدت النيّات ولو أدرك الناس ذلك بدل التلهّي بالتصويت لفلان وعلتان في الانتخابات البلديّة على أساس القربى والصداقة والنكاية بالجار. فمن أبرز التحديّات التي تعيق معالجة مسألة النقص في السكن الميّسر في لبنان هي «غياب الإرادة السياسية للحد من طغيان المصالح الخاصة على القطاع العقاري»، على ما تشير دراسة صادرة عن «معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية» في الجامعة الأميركية في بيروت بعنوان «يمكنك البقاء في بيروت: نحو سياسات إسكان حضرية دامجة».

سياسات لا تخدم السكن
ينصّ قانون الإسكان (58/1965) صراحةً على أن الغاية منه «تسهيل إسكان اللبنانيين المعوزين وذوي الدخل المتواضع وذوي الدخل المحدود في مساكن ملائمة في المدن والقرى». بطبيعة الحال لا يحتاج الأمر إلى عبقري ليدرك أن هذا القانون غير مطبق كحال غيره من القوانين بحكم الترابط العضوي بين الدولة والمصارف والمطوّرين العقاريين وتداخل المصالح بين العام والخاص.
بالمختصر، وبلغة أبسط، فإن تأمين مسكن للبنانيين آخر هم عند الثلاثي المذكور. ما يهم أن يكون هذا المسكن وسيلة لتحقيق أرباح طائلة فقط. والدليل على ذلك، على سبيل المثال، أنه وحين ارتفعت أسعار الشقق لم يتدخل أحد لخفضها، أما بمجرد أن هبطت الأسعار حتى ظهرت الخطط التحفيزية من مصرف لبنان التي هدفت من جملة ما هدفت إليه الحد من انخفاض أسعار الشقق.

الأطر السياسية والاقتصادية في لبنان تتعامل مع الأراضي على أنها سلع


في هذا السياق تشدد الدراسة الصادرة على أن «الأطر السياسية والاقتصادية في لبنان تتعامل مع الأراضي على أنها سلع. فهي لا تخضع المضاربين العقاريين للضرائب التصاعدية بل تجعلهم يستفيدون، بموجب السياسات المالية القائمة من حوافز وتسهيلات متعددة على حساب سكان المدن من ذوي الدخل المنخفض». وهو ما ينتج منه «أن سوق الإسكان في بيروت تدفع الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط نحو الضواحي النائية باستمرار، كما أنها تستبدل مساكنها بمخزون من الشقق الفاخرة والشاغرة».
يضاف إلى ما سبق، العجز الكبير في الإطار التنظيمي الذي يسمح للمؤسسات العامة بتوجيه قطاع الإسكان نظراً للافتقار «إلى الحوافز التي تقدّم للمطورين العقاريين كالمنح الإنمائية للمناطق الكثيفة السكان، والضرائب كالضريبة على الممتلكات الشاغرة، إضافة إلى أدوات التخطيط التي تشجّع المطورين العقاريين على الاستثمار في وحدات سكنيّة ذات تكلفة ميسورة»، كما و«ضعف الأطر المؤسساتية التي تدعم إنتاج السكن الميّسر» خصوصاً في ظل «الموارد المحدودة المخصّصة إلى المؤسسة العامة للإسكان».

البلديات... مؤثرة
غياب الإرادة السياسية يبرز جلياً في الدور المناط بالبلديات في الملف السكني، خصوصاً أن الانتخابات البلدية فقدت الكثير من طابعها المحلي والإنمائي وأصبحت ساحة لتنافس القوى السياسية. فبحسب منى فواز، مديرة برنامج العدالة الاجتماعية والمدينة في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت، فإنه «من حيث الاجتهاد القانوني يمكن للبلديات أن تلعب دوراً مؤثراً وفاعلاً في موضوع السكن فيما لو توافرت النيات». فالمادة 13 من قانون البناء (636/2004) تسمح للسلطات المحلية برفض رخصة البناء عندما/ إذا كان المشروع يهدد «المصلحة العامة».
في هذا السياق، تبيّن الدراسة أنه «وفي غياب تعريف واضح للمصلحة العامة تتمتع البلديات بصلاحية اعتبار التبدّل السكاني السريع والواسع النطاق تهديداً للمجتمعات المحليّة، وبالتالي يمكنها... فرض إنتاج نسبة من المساكن ذات التكلفة الميسورة في أي مشروع جديد كشرط مسبق لإعطاء رخصة البناء. كذلك بإمكان البلديات كما توضح الدراسة ومن خلال تصنيف بعض أحيائها على أنها دامجة للجميع (أي أن تتضمن نسبة محددة من المساكن لذوي الدخل المحدود)، أن تفرض شروطاً على تطوّر هذه الأحياء بشكل يحافظ على الاختلاط الاجتماعي. كما أن التصنيف الدامج للجميع قد يمنع ضم العقارات، وبالتالي دخول استثمارات كبيرة مضاربة من النوع الذي شرد مجموعات سكانية كبيرة في العديد من أحياء بيروت».
وتشير فواز إلى أن الحديث عن دور للبلديات جدي، خصوصاً أنه «تاريخياً» كانت هناك مبادرات للبلديات وأبرزها قيام بلدية برج حمود ببناء مساكن لذوي الدخل المحدود.
مثال آخر وبسيط على كيفية تأثير البلديات في القطاع السكني يكمن في «إعفاء بلدية بيروت أصحاب المساكن الشاغرة من الضريبة بحجة أن لا أحد يقطن فيها»، وفقاً لفواز، التي تعتبر أنه ومن ضمن الحلول لمشكلة السكن يفترض «فرض ضرائب على الممتلكات الشاغرة نظراً لأن وجود ضريبة مرتفعة قد يدفع أصحاب المسكن إلى بيعه، وبالتالي أن يستفيد أشخاص آخرون بحاجة لمسكن».

التعاونيات... حلّ
إحدى الحلول العمليّة والفعاّلة أيضاً بحسب الدراسة لحل أزمة السكن في لبنان، تكمن في إيلاء التعاونيات السكنيّة الاهتمام اللازم نظراً لأهميتها "كآلية مناسبة لانتزاع المساكن الحضرية الموجودة ذات التكلفة الميسورة والحفاظ عليها، خصوصاً في المدن التي تطغى عليها سياسات عقارية نيوليبرالية ضخت رؤوس الأموال في الأسواق العقارية وأضعفت قيمة الأرض الاجتماعية".
والتعاونية السكنية عبارة عن "مجموعة من الأفراد الذين يضعون طوعاً هدفاً مشتركاً هو تنظم إدارة مساكنهم ضمن قواعد التضامن بدلاً من قوانين السوق". وتقدم الدراسة عدة توصيات يمكن أن تساعد على نمو مفهوم التعاونيات، خصوصاً أن القوانين في لبنان تسمح بإنشائها ومن أبرزها "أن تسهّل المؤسسة العامة للإسكان إمكانية الحصول على قروض للتعاونيات السكنيّة عن طريق التنازل عن شرط الأهلية الفردية للأعضاء وتحويل شروط التأهيل إلى التعاونية التي تكون مسؤولة عن دفع القرض". واستناداً إلى مديرة برنامج العدالة الاجتماعية والمدينة في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الاميركية في بيروت فإن " تشكيل تعاونية يتطلب 10 أشخاص أو أكثر، وبالتالي وفي ظل الشروط المتبّعة في الوقت الراهن يفترض أن تتوافر شروط الأهلية لدى جميع الأعضاء المؤسسين للتعاونية، وهو ما يحرم من قد لا يستوفوا الشروط ومنهم المسنون".
في الختام، يتطلب ملف السكن استراتيجية شاملة لا تقتصر على كيفية دعم القروض، أو تصغير مساحة المساكن لكي تصبح كلفتها أقل بل تتضمن أيضاً رؤية تخطيطية متكاملة تشمل التنظيم المدني وسياسات النقل وغيرها... فتغني المطورين العقاريين بأنهم يبنون مساكن ذات مساحة صغيرة تكون في متناول شرائح أكبر من المجتمع لا تكفي وليست بالإنجاز. فما يهم ليس تأمين مسكن بالمطلق بل تأمين مسكن لائق وهنا لب الموضوع. وعلى ما تقول فواز: "يمكن أن تبلغ مساحة المسكن في مدينة كباريس 50 متراً مربعاً وذلك بحكم توافر المساحات العامة والحدائق العامة بكثرة كون الناس تستخدم هذه المساحات كامتداد لمسكنها. أما في مدينة كبيروت حيث تغيب المساحات العامة وفي ظل زحمة السيارات والمباني المتلاصقة عشوائياً لا يمكن أن تسكن عائلة في مساحة 40 و 50 متراً مربعاً".



خطوات تأليف تعاونية
تشكيل مجموعة من 10 أشخاص أو أكثر على استعداد لإقامة تعاونية سكنية والعيش كجيران
إيجاد العقار المناسب (أرض، مبنى قائم، أو مجموعة من الوحدات السكنية)
إعداد خطة عمل تحدد أهداف التعاونية السكنية وشروط الاتفاق وهيكلية نظام الإدارة ودراسة الجدوى
تقديم طلب إلى المديرية العامة للتعاونيات في وزارة الزراعة للحصول على الموافقة
إيداع رأس المال الأولي في مصرف لبناني معيّن
تسجيل التعاونية في المديرية العامة للتعاونيات للموافقة النهائية والإنشاء
الحصول على قرض من المؤسسة العامة للإسكان (إذا لزم الأمر) لتملك العقار المختار

[email protected]*