وإن كان ما ذُكر لا يكفي لتبيان حجم كرة الثلج المتدحرجة، يكفي أن نعلم أنّ الفرق بين لبنان وكوريا الشمالية الدولة الأخيرة في الترتيب هو 26 مركزاً فقط. أمّا فنزويلا التي تعيش كما نعيش صراعاً على السلطة، قد يودي بها إلى كوارث، فحلّت في المركز ما قبل الأخير، تفصل بيننا وبينها 25 مرتبة، أو 25 درجة عن التضوّر من الجوع الذي يعانيه شعبها حالياً الذي فقد في المتوسط خلال عام أكثر من 10 كيلوغرامات من وزنه!

نشرت مؤسّسة التراث Foundation Heritage الأميركية تقريرها السنوي الذي تصدره منذ عام 1995 والذي تناول مؤشّر الحرّية الاقتصادية في العالم لعام 2019.
شمل التقرير 180 دولة مقسّمة على 5 فئات هي: دول ذات اقتصاد حر، أو حر في أغلبه، أو حر باعتدال، أو غير حر في أغلبه، أو ذات اقتصاد مكبوت. تعتمد المؤسّسة في تحليلها لمعدل الحرية الاقتصادية في كلّ دولة على 12 مؤشراً موزّعة على 4 مجموعات هي: سيادة القانون وحجم الحكومة وكفاءة الأنظمة وانفتاح الأسواق.

اقتصاد غير حر
استناداً إلى المعايير التي وضعتها المؤسسة حلّ لبنان في المرتبة 154 عالمياً، مصنّفاً بالتالي ضمن فئة الدول ذات الاقتصاد غير الحر في أغلبه، ومتراجعاً بذلك 14 مرتبة عن تصنيف عام 2018، وهو ما يضعه على بعد 4 مراكز فقط من فئة الدول ذات الاقتصاد المكبوت التي تضمّ إضافة إلى كوريا الشمالية وفنزويلا دولاً كـ: تشاد والموزمبيق وزيمباواي وتيمور الشرقية...
وعلى مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حلّ لبنان في المرتبة 12 من أصل 14 دولة (من ضمنها «إسرائيل»)، متقدّماً فقط على إيران كما ذكرنا (تساوى معها في مجموع النقاط رغم تفوّقه بمرتبة عليها) والجزائر التي صُنِّفت ضمن فئة الدول ذات الاقتصاد المكبوت. ويظهر الفرق الشاسع بين معدّل النقاط التي حازها لبنان على مؤشر الحرية الاقتصادية (51.1 نقطة) والتي تقلّ بشكل ملحوظ عن المعدل الوسطي الذي سجّلته المنطقة (61.3) كما وعن المعدل الوسطي العالمي (60.8).
للمفارقة فإن دولاً كإثيوبيا ومالي على سبيل المثال اللتين تعدّان من أفقر دول العالم (في المرتبتين 22 و24 على لائحة أفقر دول العالم بحسب صندوق النقد الدولي) احتلّتا المرتبتين 137 و103 على مؤشر الحرية الاقتصادية للعام الجاري.

غياب سيادة القانون
سجّل لبنان أسوأ المعطيات في مجال سيادة القانون، مع مجموع نقاط 39.5 من أصل 100 في ما يتعلّق بحقوق الملكية الفكرية و26.6 على 100 في الفعالية القضائية و18.2 في نزاهة الحكومة.
بحسب التقرير فإن «السلطة القضائية المستقلة اسمياً، تخضع للضغوط السياسية. المحاكم غير فعّالة، وتكافح من أجل إنفاذ الأحكام». وبالنسبة إلى الحكومة تقول المؤسسة إن «الفساد منتشر في العقود الحكومية والضرائب والانتخابات والأحكام القضائية والسجل العقاري، أمّا تدابير مكافحة الفساد فغير فعالة»، و«حماية الملكية الفكرية ضعيفة».

المحاكم غير فعّالة والفساد منتشر في العقود الحكومية ومكافحته غير ناجحة


يكفي ما سبق لردع أيّ مؤسسة أو شخص عن الاستثمار في لبنان، كما لـ«تهشيل» المستثمرين الحاليين. يشير التقرير وهو على حقّ إلى أنّ «الفعالية القضائية، وخاصّة في الدول النامية، قد تكون مجال الحرية الاقتصادية الأكثر أهمية لإرساء أسس النمو الاقتصادي»، فأيّ مستثمر بحاجة للاطمئنان إلى أن القانون يضمن حقوقه، وأنه قادر على المشاركة في أيّ مناقصة عامة مع معرفته المسبقة بأن حظوظه متساوية مع غيره من دون أفضلية لأحد على أحد بسبب المحسوبيات والتنفيعات والسمسرات.
ولجهة الملكية الفكرية فمن البديهي أنها تشكّل ضمانة لأيّ مواطن ومستثمر وتمنحه الأدوات اللازمة للإبداع والابتكار دون أن يخاف أن يُسرق إنتاجه وعمله.
أحد المعوقات الضخمة أمام الحرية الاقتصادية في لبنان بحسب التقرير هو العبء الضريبي الذي سجّل 91.8 نقطة من أصل 100، والذي مما لا شك فيه يخنق الحرية الاقتصادية ويحدّ من جاذبيّة لبنان بالنسبة إلى المستثمرين الأجانب. أضف إلى ذلك الإنفاق الحكومي (75.6 نقطة من أصل 100) الذي يعزّز انتفاخ الدولة وثقلها وبيروقراطيتها ويؤدي إلى استنزافها أكثر وأكثر. والمشكلة ليست في الإنفاق الحكومي بحدّ ذاته كمبداً (تحليلنا وليس ما يقوله التقرير) الذي يمكن أن يشكّل رافعة للاقتصاد إذا ما استُخدم في مشاريع حيوية كالبنية التحتية أو تمويل الأبحاث وغيرها، بل في أن معظم النفقات الحكومية في لبنان تذهب لتسديد الرواتب لعدد متضخّم أساساً من الموظفين، جزء كبير منهم غير منتج ولا يداوم.
كما تناول التقرير البيئة التنظيمية في لبنان التي اعتبرها فقيرة، متطرّقاً إلى الكلفة العالية والمعاملات العديدة التي يجب تحمّلها لإطلاق مشروع والحصول على التراخيص اللازمة.


ما هي الحرية الاقتصادية؟
تقتضي الدقة أن نشير إلى أن لمؤسسة Heritage توجهات سياسية واقتصادية واضحة تجاهر بها علناً، إذ تشير إلى أن مهامها تقوم على «تعزيز السياسات العامة المحافظة القائمة على مبادئ المشاريع الحرة والحكومات المحدودة والحرية الفردية»... بالمختصر، فإن المؤسسة تتبنى الخطاب الرأسمالي، الذي نعتمده في لبنان اقتصادياً، وتقريرها، سواء وافقنا على الروحية التي بُني على أساسها أم لم نوافق، يؤخذ به من قِبل المستثمرين الأجانب وكبريات الشركات العالمية والمؤسسات الدولية.
تعرّف المؤسسة الحرية الاقتصادية على أنها «الحق الأساسي لكلّ إنسان في التحكّم في عمله وممتلكاته. في مجتمع حر اقتصادياً يتمتّع الأفراد بحرية العمل والإنتاج والاستهلاك والاستثمار بأيّ طريقة يرغبون بها. وفي المجتمعات الحرة اقتصادياً، تسمح الحكومات للعمل ورأس المال والسلع بالتنقل بحرية، وتمتنع عن الإكراه وتقييد الحرية بما يتخطّى المدى الضروري لحماية والحفاظ على الحرية نفسها».

* [email protected]