نشر المنتدى الاقتصادي العالمي تقريره السنوي عن التنافسية العالميّة لعام 2019، والذي يحدّد مدى إنتاجية الدولة، عن طريق جمع البيانات العامة والخاصة المتعلّقة بنحو 12 محوراً يضمّ كل منها عدداً من المؤشّرات الفرعيّة، والتي تكوّن جميعها صورة شاملة عن الوضع التنافسي للدولة مقارنةً بباقي الاقتصاديات على مستوى العالم.

وتكمن أهمية التقرير في أنه يقيّم قدرة الدول على توفير الازدهار والرفاهية لمواطنيها، ويساعد الحكومات في التركيز على المؤشّرات السلبيّة التي يفترض بها العمل عليها لتحسينها، ويشكّل مرجعاً مهماً يستند إليه المستثمرون من دول وشركات وأفراد الراغبون بالاستثمار في دولة معيّنة.



تراجع كبير
يستعرض التقرير تنافسية 141 دولة، تمثل مجتمعةً حوالى 99% من الناتج المحلي العالمي. وفي هذا السياق حلّ لبنان في المرتبة 88 عالمياً متراجعاً 8 مراكز عن ترتيب عام 2018 (كان عدد الدول التي شملها التقرير العام الماضي 140 دولة).
إلّا أن العلامة الإجماليّة التي سجّلها لبنان وتراجعه اللافت في الترتيب، يخفيان ما هو أفدح وأكثر إثارةً للقلق، خصوصاً إذا ما تمعّنا في المحاور والمؤشرات على حدة، والتي تُظهر تردّياً إن لم يكن فشلاً على مختلف الأصعدة (باستثناء النظام المالي والصحة والمهارات والابتكار حيث حلّ لبنان في المراتب 53 و59 و63 و66 على التوالي، وهي مراتب معقولة وإن كانت غير متميّزة). أمّا في بقية المحاور فحلّ لبنان في المراتب التالية: المؤسسات (113)، البنية التحتية (89)، اعتماد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (95)، استقرار الاقتصاد الكلي (121)، سوق العمل (100)، حجم السوق (81)، ديناميكية الأعمال (110)، سوق السلع (99).
من المفيد التوقّف عند محور المؤسسات وبعض من المؤشرات التي تضمنها، نظراً لأن كفاءة عمل المؤسسات أو تردّيها وفشلها تعدّ الأساس الذي ينعكس إمّا سلباً أو إيجاباً على باقي المحاور، وهو ما يثبت ضرورة العمل الجدي والإصلاح «من فوق».

مؤسسات غير فعّالة
في هذا الإطار، ومن ضمن محور المؤسّسات كانت العلامة الأسوأ التي حازها لبنان هي في مؤشر «الرؤية الطويلة الأجل للحكومة» حيث حلّ في المرتبة 128 عالمياً، وهو وإن كان لا يكشف سراً، لكنه يظهر بشكل جليّ وبعيداً عن نظريات «المؤامرة» النظرة العامة لأداء الحكومة اللبنانية من قِبل المحافل الاقتصادية الدولية. كذلك كان من المعبّر حلول لبنان في المرتبة 125 عالمياً على مؤشر «استجابة الحكومة للتغيير»، والذي يبيّن أيضاً كسلها وعدم استجابتها الفعالة والسريعة للمتغيّرات الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة. ومن المعطيات غير المفاجئة أيضاً، حلول لبنان في المرتبة 116 عالمياً على مؤشر الفساد.
تُظهر المؤشرات كسل الحكومة وعدم استجابتها السريعة للمتغيّرات الاقتصادية الإجتماعية المتدهورة


وفي وقت يعدّ لبنان في أمسّ الحاجة للاستثمارات الأجنبيّة والمحليّة (شبه المتوقفة منذ عام 2011)، فإن حلوله في المرتبة 123 عالمياً على مؤشر «كلفة إطلاق مشروع تجاري» وفي المرتبة 85 لناحية «الوقت اللازم لإطلاق مشروع تجاري» وفي المرتبة 110 لجهة «تأثير الضرائب والرسوم على المنافسة»، فإنها جميعها تؤثر سلباً على جاذبيته للمستثمرين في عصر يرتكز إلى السرعة وقلة الكلفة.
ولعل أكثر ما يكشف مدى التفاوت الشاسع بين منظومة الحكم في لبنان ودورها المباشر في ما آلت إليه الأوضاع، وبين اللبنانيين من جهة أخرى الذين لا يجدون في وطنهم ما يُشبع طموحهم ويتواءم وقدراتهم ومواهبهم ما يدفعهم إلى الهجرة بكثافة، هو حلول لبنان في المرتبة 10 عالمياً على مؤشر «سهولة إيجاد موظفين مهرة»، والمرتبة 23 عالمياً على مؤشر «المهارات الرقمية بين السكان النشطين».
ومن المؤشرات الأخرى البالغة السلبيّة «جودة البنية التحتية للطرقات» والتي حاز فيها لبنان المرتبة 127 عالمياً، و«موثوقية إمدادات المياه» (المرتبة 132)، و«فعالية خدمات النقل الجوي» (المرتبة 91).