ارتفع عجز الميزان التجاري خلال النصف الأوّل من العام الحالي بنسبة 1.5%، بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي، ووصلتش قيمته إلى 8.1 مليارات دولار. يأتي ذلك على الرغم من ارتفاع قيمة الصادرات اللبنانية بنسبة 15% وصولاً إلى 2.27 مليار دولار، في مقابل تراجع قيمة السلع المستوردة كافة بنسبة 16.4%، باستثناء المنتجات المعدنية، أي المحروقات، التي ارتفعت قيمتها بنسبة 99% وصولاً إلى 6.8 مليارات دولار، بالمقارنة مع 3.5 مليارات دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، والذي يأتي نتيجة ارتفاع الكمّيات المستوردة من 3.5 إلى 6.8 ملايين طن، ما يعيده أحد مستوردي النفط (رفض الكشف عن اسمه) إلى «حركة التهريب النشطة نحو سوريا»، مشيراً إلى أن المعدّل السنوي لاستهلاك المحروقات والمشتقّات النفطية محلّياً يراوح بين 7 و7.5 ملايين طن».

ما يعني أنه لو كانت كمّية المحروقات والمشتقّات النفطية المستوردة مماثلة لما كانت عليه في العام الماضي، لوصل العجز التجاري إلى 6.2 مليارات دولار خلال النصف الأوّل من العام 2019 وفقاً لأسعار المحروقات خلال هذه الفترة، أي أقل بنحو 23.5% من العجز التجاري المُسجّل راهناً، وكذلك أقل بنحو 14.5% من قيمة الواردات في الفترة نفسها من العام الماضي.
بمعزل عن التهريب الحاصل نحو سوريا وتأثيراته، تعدّ هذه الأرقام «مؤشّراً واضحاً على تراجع القدرة الشرائية للمقيمين في لبنان»، وفق الوزير السابق شربل نحّاس، وهي تأتي «كنتيجة مباشرة للسياسات الانكماشية والتقشّفية المُتبعة من قبل الحكومة والمصرف المركزي، ما انعكس بتراجع استهلاك المقيمين الذي يستند بغالبيته إلى السلع المستوردة من الخارج، وكذلك تراجع استيراد السلع النصف مُصنّعة والمواد التي تدخل في عمليّات إنتاج السلع المحلّية التي تأثّرت أيضاً بتراجع القدرة الشرائية والانكماش الاقتصادي الحاصلين».
ويتابع نحّاس «تشكّل هذه الإحصاءات دليلاً على أن الانكماش الاقتصادي سيستمرّ خلال العام الحالي، وهو ما سيزيد الضغوط على الاقتصاد والمجتمع، وسيضع الناس أمام خيارات مُحدّدة، تقضي باستنفاد مدّخراتها للحفاظ على مستوى معيشتها، أو القبول بتراجع مستواها المعيشي أو الهجرة».
إلى ذلك، يشير الخبير السابق في البنك الدولي سمير الضاهر، إلى أن «كلّ المؤشّرات الاقصادية الصادرة حتّى النصف الأوّل من السنة، تدلّ على تراجع النموّ الاقتصادي كثيراً، مع توقّع تسجيل نموّ سلبي في نهاية العام 2019، وهو أمر لم يحصل في لبنان منذ عام 1998. في الواقع، تبيّن هذه الإحصاءات تراجع الاستيراد والحركة عبر مرفأ بيروت بنحو 15%، وانخفاض رخص البناء بنحو 30% وقيمة المبيعات العقارية بنسبة 45% وعدد هذه المبيعات العقارية بنحو 15%، بالإضافة إلى تدنّي نسبة الشيكات المتداولة بنحو 15%، وكذلك ارتفاع نسبة الشيكات المُرتجعة المرتبطة بالأساس بحالات التعثّر المرتفعة في القطاع الخاص الناجمة عن تراجع القدرة على سداد القروض، فضلاً عن تراجع حركة شراء السيّارات والأدوات الكهربائية بأكثر من 25%. وهو ما يعني أن النموّ الاقتصادي السلبي المتوقّع سيؤدّي إلى ارتفاع العجز في الميزانية العامّة إلى أكثر من 10% من الناتج المحلّي كنتيجة بديهية لتراجع النموّ، والذي سيؤدّي بدوره إلى تراجع الإيرادات الضريبية».
ويتابع الضاهر: «لا يبدو أن هناك نيّة للخروج من الأزمة الفعلية ووضع برنامج اقتصادي جدّي، وهذا ما يمكن ترجمته من الاجتماع الاقتصادي الأخير في بعبدا، حيث كان التركيز على التقشّف وزيادة الضرائب، وإهمال السياسة الاقتصادية المفترض اتباعها للنهوض بالاقتصاد ودعم الإنتاج والنموّ، الذي يعدّ المحرّك الأساسي للمجتمع، والخروج من النموذج الاقتصادي القائم على هجرة الشباب في مقابل الحصول على تحويلاتهم لتمويل العجز والاستيراد من دون أي إنتاج

()