القاهرة | فجّر إعلان الحكومة الإثيوبية مساء الاثنين على نحو مفاجئ تحويل مجرى النيل الأزرق، أحد روافد نهر النيل، للبدء الفعلي بعملية بناء سد «النهضة» الإثيوبي، غضب المصريين، جراء التأثير الخطير لهذه الخطوة على حصتهم من مياه النيل، وانعكاسها الكارثي على الري والزراعة والبيئة، فيما طُرحت تساؤلات عن سرّ هذه الخطوة التي جاءت عقب زيارة الرئيس محمد مرسي لإثيوبيا، وكأنّه استخفاف به.

وكانت مصر وإثيوبيا قد اتفقتا خلال زيارة الرئيس المصري محمد مرسي الأخيرة على «ضرورة مواصلة التنسيق بينهما في ملف مياه نهر النيل، بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين، واستناداً إلى التزام كل طرف بمبدأ عدم الإضرار بمصالح الطرف الآخر»، بحسب ما نُشر أول من أمس على لسان مصدر مقرب من الرئاسة المصرية.
وتستبق إثيوبيا تلك الخطوة المتمثلة في البدء بتغيير مجرى النيل الأزرق، نتائج التقرير المتوقع أن تقدّمه اللجنة الثلاثية الدولية المكلفة بتقييم سدّ «النهضة» الإثيوبي، والمزمع الانتهاء منه نهاية شهر أيار الجاري.
وكان علاء الظواهري، عضو اللجنة الفنية الوطنية المصرية لدراسة سد «النهضة»، قد صرح لوكالة «الأناضول» التركية قبل يومين بأن اللجنة ستُوصي في تقريرها بمزيد من الدراسات حول آثار تشغيل السدّ على (حصتي) مصر والسودان من مياه النيل، موضحاً أن «الدراسات التي قدّمها الجانب الإثيوبي بشأن سدّ «النهضة» لم تكن كافية لإثبات عدم الضرر على مصر من بناء السد»؛ وهو ما سيدفع باللجنة الثلاثية إلى المطالبة بإجراء دراسات إضافية يقوم بها الخبراء الدوليون في اللجنة، وعددهم 4 أربعة.
في غضون ذلك، كشف محامي الكنيسة القبطية، رمسيس النجار، في تصريحات صحافية أمس، عن تفويض الرئاسة للبابا تواضروس الثاني من أجل متابعة وحل أزمة تحويل إثيوبيا لمجرى مياه النيل، والتوصل مع الكنيسة الإثيوبية لحل توافقي حول هذه الأزمة. وأشار إلى أنّ البابا سيجري اتصالات بالبطريرك الإثيوبي «لأنهم إخوة، وهم يعتبرون أن الكنيسة المصرية هي الأم، والعلاقات بينهم جيدة، وأن البابا بحنكته قادر على التعامل مع هذه الأزمة».
وتحتاج بحيرة سدّ النهضة الى 74 مليار متر مكعب من المياه. ومن أجل توليد الكهرباء، لا بدّ من أن تمتلئ البحيرة بالمياه، وامتلاء البحيرة في ثلاث سنوات يعني نقص 25 مليار متر مكعب كل سنة من حصة مصر والسودان من مياه النيل، وبالتالي بوار 5 ملايين فدان في مصر، وتوقف توربينات السدّ العالي عن العمل، والتي تمدّ مصر بنحو 10 في المئة من احتياجاتها للكهرباء، بما يهدّد ثلاث محافظات بالظلمة التامة، حسبما يوضح خبير المياه العالمي نادر نور الدين.
بدوره، رأى محمد أنور السادات، رئيس حزب «الإصلاح والتنمية»، وأحد ساسة عائلة الرئيس الراحل السادات، في حديث إلى «الأخبار»، أن بناء سدّ «النهضة» الإثيوبي سيكون له تأثير سلبي على حصة مصر المائية من فيضان النيل ومواعيد وصولها إلى بحيرة ناصر، وهذا سوف يؤدي إلى تبوير ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية ومشاكل في مياه الشرب والصناعة نتيجة لانخفاض منسوب المياه في النيل»، مشيراً الى أن الخبراء والمعنيين بملف المياه حذّروا من خطورة تلك التداعيات، على اعتبار أن قضية أمن مصر المائي هي قضية أمن قومي بالدرجة الأولى. وأكّد السادات أنّ اتخاذ إثيوبيا لهذا القرار الخطير بعد مضيّ يوم واحد على مغادرة الرئيس لإثيوبيا يعني أن شؤون مصر في أيدي مجموعة من الهواة لا يستطيعون إدارة ملفاتها خارجياً وداخلياً. وقال إن تصريحات وزير الدولة الإثيوبي للشؤون الخارجية، برهان جبر كريستوس، حول أن السدّ سيكون بغرض توليد الكهرباء فقط، وأنه لن يستقطع من حصة مصر المائية مجرد أوهام وتطمينات تقال، لكنها لن تتحقق على أرض الواقع. ونحن مقبلون على كارثة بكل المقاييس إذا لم يكن هناك تحرك مصري عاجل ومباشر.
وطالب وزير الموارد المائية والري الأسبق، الدكتور محمد نصر الدين علام، الحكومة المصرية بالاتفاق مع السودان على البدء بمفاوضات مع إثيوبيا لوقف بناء سدّ «النهضة»، وذلك ريثما يتم الانتهاء من الدراسات، والتأكد من عدم إضرار السدّ بأمن مصر المائي والقومي، لافتاً إلى أنه في حال رفض إثيوبيا وقف بناء السدّ، سيكون هناك تحرّك لكل من مصر والسودان على المستوى الإقليمي والدولي للضغط على كل الدول التي لإثيوبيا مصالح لديها.
وشدد الوزير الأسبق على ضرورة قيام الأحزاب والائتلافات السياسية في مصر بتوحيد الرؤى والاتفاق مع الحكومة لاتخاذ موقف واحد يحافظ على حقوق مصر القومية والمائية.
من جهته، حمّل وفد الدبلوماسية الشعبية، الذي زار إثيوبيا عقب ثورة «يناير» عام 2011، الرئيس محمد مرسي والحكومة مسؤولية تحويل إثيوبيا لمجرى النيل الأزرق، الذي يعدّ بمثابة تحول جوهري في بناء سدّ «النهضة». وأكد أنّ مصر قصرت في الاتفاق على ندب مهندسين مصريين والضغط الدولي على إثيوبيا.
وكشف مصطفي الجندي، منسق الدبلوماسية الشعبية، في حديث إلى «الأخبار» عن اتصاله بسفير إثيوبيا لدى مصر لعقد لقاء بحضور وفد من أعضاء الدبلوماسية الشعبية خلال الـ 48 ساعة المقبلة، لمعرفة النتائج التفصيلية التي قد تؤذي مصر جراء بناء السدّ، محملاً الرئيس المصري وحكومة هشام قنديل أيضاً مسؤولية ما آل إليه الوضع الآن، مشيراً الى أنه اتصل بقيادات الدبلوماسية الشعبية لحضور اللقاء مع السفير الإثيوبي قبل انتهاء الـ 48 ساعة والاتفاق على حلول توافقية للأزمة بين الطرفين.