تكتب سلمى البالغة 26 سنة، يومياتها، على امتداد صفحات رواية «المحجبة» (نوفل) لجهاد بزي. غطاء الرأس لم يَسِم الشابة الجنوبية بوسوم الحجاب النمطية، أو يعقها عن اعتناق الإلحاد مذهباً وعن المتعة بجسدها وبملذات الحياة ونبيذها وحشيشها. تنازعت سلمى الهموم من الحجاب الذي لف شعرها في سن الـ12، بتشجيع أمها ومباركة أخيها دون أبيها، إلى أن خلعته «بصعوبة» في السادسة والعشرين. بيد أن سنين التصاق القماش برأسها، لم تعطلها من عيش حياة متحررة، منذ أن غادرت قريتها باتجاه بيروت لدراسة الأدب العربي في «جامعة بيروت العربية»، فالعمل في موقع إخباري إلكتروني في منطقة الصالومي بعدها. إذ اكتشفت الصبية جسدها مع وسام في سن مبكرة، وساكنت حسين، كما تعرَّفت إلى ليل بيروت وحاناتها وطعم سجائر الحشيش.

«جورنال» سلمى طافح بأحداث وأخيلة شخصية مترددة تتقاذفها الأسئلة، حتَّى تبلور قرارها بالتخلي عن الحجاب (الجلد الفائض السميك). وهو مترع بأنوية لا تتوانى عن إدارة الكون حول عالمها الصغير الذي ينقل ما تيسر من «أمراض» لبنان الاجتماعية، كالطائفية والحشرية والازدواجية وسوء فهم الجماعات بعضها بعضاً.


هي سليلة عائلة جنوبية؛ أبوها عبد الكريم أستاذ مدرسي شيوعي متقاعد من التعليم (والحياة)، وأمها إلهام متسلطة، وأختاها غاية المنى وقمر سلكتا مسلكاً كلاسيكيّاً في حياتهما (الدراسة في الضيعة فالزواج فيها والإنجاب). أما أخوها جبران، فقد تغرب إلى ألمانيا للعمل مع أخواله في تجارة السيارات وتولى مصاريف البيت. لم تبرح عائلة عبد الكريم الضيعة، وسارت في ركب موجة التدين باستثناء الأب وسلمى. الموجة التي تنقل سلمى انعكاساتها على منزلها الأبوي، بشيء من الأنف المغلف بالسخرية (حبيبي يا جنوب... أرغيلة تلو الأرغيلة طوال النهار وأباريق شاي وتبولة ولحم ودجاج وقناني بيبسي لا يعلم بحجمها إلا الله سبحانه... التبغ شتلة الإباء والعزة والكرامة (...)، أوراقه مجبولة بالعنفوان والعصافير المقلية... الموسيقى في البيت حرام لأنها تنفر الملائكة وتجلب الشياطين... سلاح الـ«أني» (أو لفظ الجنوببين للأنا) الفتاك…).
تتوزع ذرية الأستاذ عبد الكريم، الذي لا يؤمن سوى بالمحسوس والمبصور، بين مسلمين متدينين وليبراليين. لكن لجبران (وأمه) الكلمة النافذة نتيجة عطايا الأخ الملتزم واتساقه مع التركيبة المجتمعية السائرة في هدى القرآن والأئمة الإثني عشر. لكن عند المواجهة، وحدوث «الخطب الجلل» المتمثل في خلع سلمى حجابها، أُعيد ترتيب الأدوار، ليغادر الأب صمته الطويل في بيته، ويتصدى لصفعة جبران لسلمى بالسباب والتقريع، ولو أن فورانه انتهى سريعاً، من دون أن يرد لابنه الصفعة أو ينفذ تهديده في ترك الضيعة باتجاه بيروت.
أما في علاقة الأب الشيوعي بسلمى الليبرالية، فتدين الشابة لأبيها تعريفها بأمهات الكتب العربية والموسيقى (أم كلثوم خصوصاً)، و«تنظيفها من الخزعبلات» و«حكايات الملائكة والشياطين التي أجلبها معي من المدرسة أو من أمي وجاراتها»، والسير بها في «درب الإلحاد الصعب». بيد أنها تأخذ عليه انكفاءه أمام جبران «المنتدب من السماء لزرع الإيمان في الفتاة التي لم تبلغ عامها الثاني عشر»، و«عدم تدخله في حياتها كما كان يجب عليه أن يتدخل». تفكر كثيراً في غرقانه في مكتبته وأسطواناته، وتقر أنه «مريض بالضجر (...) سئم باكراً التعليم وزوجته وعائلته وقريته». الضجر الذي أورثها إياه، قبل أن تقرر «خلع جلدها».
تعكس أمراض لبنان الاجتماعية، كالطائفية والحشرية والازدواجية


بعد مخاض نفسي عسير، تنتصر الفردانية. سلمى تترك العنان لنفسها، وتستقيل من وظيفتها في الموقع الإلكتروني أو «المعتقل» كما تسميه، وتدخل في علاقات مفتوحة مع أكثر من شاب في الوقت عينه. «الحاسر» تتصالح مع شعرها الذي تقصه قصيراً، وتلبس الفساتين الضيقة والبناطيل الواسعة والمايوه، باتجاه التحرر التام المخلي من أي أسئلة أو مراجعات ذاتية.
في شأن الأسلوب، يحاول بزي تسليس السرد، وجعله ينطق لغة سلمى، الشابة الشعبوية المترددة، من دون تلذذ القارئ بأي حدث في الرواية. وهذا ــ معطوف على صيغة اليوميات المعتمدة، بما تحويه من خبريات تدور حول بطلة وحيدة ــــ يوصل القارئ المتطلب إلى توسل الفراغ من الرواية التي يتصدرها ضمير المتكلم وأفعال مثل: «أكلت» و«دخنت» و«شربت» و«تجشأت» و«أحبه» و«لا أحبه» و«نعست» و«نمت»... الرواية تعتَورها «مونولوغات» مثقلة بمفردات إنكليزية («أوفررايتد هذه الحياة) فيما تقتات «المحجبة» من الخبريات؛ خبزها سأم المدينة وزنخ بحرها وأفكار شبابها الليبراليين المتناقضة، الآخذة من طريقة العيش المتحرر همّاً أوحدَ، و«المتعالية» على البيئة الشيعية المتدينة، من دون الالتفات إلى هم يتعدى الذات أو المعاش. جوانية الشخصية تسقط مراراً بتأثير من علقم خبرياتها، التي تتكرر وتغوص في العادي حتى التخمة. حتى يخال القارئ سلمى تطفئ شمعات عيد ميلاها السابع والعشرين، ومعها تضغط على زر الـ«ديليت» في جهاز الـ«ماكبوك» خاصتها، ماحية أجزاء كبيرة من الـ«جورنال»!