هذا نقشٌ خاص ومميز. إذ يبدو أنه كُتب بيد النبي محمد. نعم، بيد النبي ذاته في ما يبدو. قبل هذا النقش، كان هناك نقش واحد فقط يُحتمل أن يكون كُتب بيد النبي. وقد عثر عليه في جبل سلع في المدينة المنورة. وقد أثار الانتباه إليه الكاتب الهندي محمد حميد الله قبل في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي. وهو ضمن جملة من التواقيع التي اعتقد حميد الله أنها تمثل تواقيع عدد من الصحابة أثناء غزوة الخندق في السنة الخامسة للهجرة. ويقول النقش: «أنا محمد بن عبد الله». وقد افترض حميد الله أن الرسول لم يكتب توقيعه هذا بخط يده، بل كتبه له واحد من الصحابة. وأظنه اقترح ذلك انطلاقاً من فكرة غير صحيحة كانت سائدة وقتها تقول بأن الرسول كان أمّياً لا يقرأ ولا يكتب. لكنّ كثيرين رأوا أن هذه النقوش، بما فيها توقيع الرسول المفترض، لا تعود إلى وقت غزوة الخندق، وأنها في غالب الظن كتبت بعد عهد الرسول والصحابة بزمن طويل. غير أن العثور على النقش الجديد يقوي من فرضية أن توقيع جبل سلع ربما كُتب بخط يد الرسول أيضاً.

يقول النقش الجديد: «أنا محمد رسول الله». بذا فهو لا يذكر اسم والد الرسول، كما هو الحال مع نقش جبل سلع، بل يذكر اسم الرسول الأول «محمد» وصفته الدينية «رسول الله».
غير أن الأهم، والمفاجئ، هو ما يلي: لقد عثر على النقش قرب مدينة جبلة في شمال سوريا. نعم في شمال سوريا.

قصة النقش
عثرت على هذا النقش منشوراً في موقع يسمى «الإمبراطورية الكبرى للنقوش والدفائن» يوم 30/07/2019. وهو موقع تُعرض فيه لقى أثرية بالحفر غير الشرعي للتقييم أو البيع. لكنّ هناك أناساً يعرضون ما يعثرون عليه بالصدفة في هذا الموقع فقط من أجل معرفة ما هو، وليس لهم بالحفر غير الشرعي. وناشر نقشنا من هذا الطراز. فهو جندي سوري من اللاذقية نشر النقش وكتب فوقه: «السلام عليكم. ممكن الإفادة. كتابة على باب مغارة». لكن المغارة لا تظهر في الصورة كما يتضح من الصورة أدناه. تظهر الصخرة التي عليها النقش فقط. وقد نشر الرجل صورتين للنقش واحدة أفضل من الأخرى.

صورة النقش كما نشرت

لم أتمكن من قراءة أي كلمة من كلمات النقش حين رأيته. لكنني خزنته على حاسوبي انطلاقاً من إحساسي بأنه نقش قديم ربما يكون مهماً. ثم عدت للنقش في ما بعد، فتبين لي سريعاً أنه نقش شديد الأهمية. من أجل هذا، أرسلت لناشرة الجندي رسالة على الإنبوكس أسأله عن موقع النقش وعن إمكانية الحصول على صورة له أفضل من الصورة المنشورة. فرد عليّ بأنه ليس هو من عثر على النقش، وأن واحداً من معارفه، أعطاه الصورتين لنشرهما في حسابه، لأنه لا يملك حساباً على الفيسبوك. وأخبرني أنه طلب من صاحبه هذا صورة أفضل، لكنه لم يرد على طلبه. ولم يخبرني بمكان العثور على النقش، فظننت أنه لا يعرف. وانتظرت فترة لعل صاحبه يرسل لي صورة أخرى للنقش أو يخبرني بمكان العثور عليه، لكن دون جدوى. فأرسلت له ثانية. فرد علي قائلاً:
«أخبرتك صديقي أني لم أرَ [كذا] المغارة. شخص طلب إلي السؤال [عن معنى النقش وقيمته]، وطلبت منه صوراً أوضح ولم تصلني. المغارة في الساحل السوري قريب من مدينة جبلة لكن لا أعرف بالتحديد [أين]. لا أعمل بهذا المجال وليست لدي الخبرة». وكان ما قاله مفاجأة كبرى بالنسبة لي. فقد كان تقديري أن النقش موجود في مكان ما من جنوب سوريا على طريق التجارة بين الجزيرة العربية وبلاد الشام. لكن الرجل يخبرني أنه موجود على الساحل في شمال سوريا. ولو صحّ هذا، فإنه يزيد من قيمة النقش. إذ لم يخبرنا أحد من قبل أن النبي محمد وصل إلى الشمال السوري. وعلى كل حال، إذا كان الرسول هو من نقش بيده هذه الحروف، فإن هذا يعني ما يلي:
أولاً: أن النقش كتب قبل الهجرة، أي في الفترة المكية من حياة الرسول. إذ لم يخبرنا أحد أن الرسول قدم إلى سوريا بعد الهجرة، أو حتى بعدما اشتهر أمره في مكة. فالنقطة الأبعد التي وصلها وهو في يثرب كانت تبوك في طريق الشام. غير أنه عاهد في غزوة تبوك أناساً من «أيلة» على خليج العقبة، لكننا لم نخبر بأنه وصل شخصياً إلى «أيلة». وحتى لو افترضنا أنه وصلها فإن إيلة تكون أبعد منطقة وصلها، وهي تقع في أطراف الشام.
ثانياً: انطلاقاً من هذا، يجب الافتراض أن الرسول قد وضع توقيعه على باب المغارة في رحلة تجارية إلى الشام بعد البعثة، وقبل الهجرة. لقد كان رسولاً، لكنه كان ما زال يشتغل بالتجارة. لم يكن قد وصل بعد إلى التفرغ للدعوة إلى الدين الجديد.
ثالثاً: كما أنه يعني أنه كتب النقش، في أغلب الظن، قبل أن تتنبه قريش إلى خطورة دعوته وتظهر له العداء. ونحن نعرف أن الرسول بقي في مكة 13 سنة بعد بعثته (610-622 م). لكنه في النصف الثاني من هذه الفترة كان محاصراً هو وأصحابه وعائلته، بحيث كان يصعب عليه أن يقوم برحلات تجارية إلى الشام وقتها. بذا فالمنطقي أن نفترض أنه قدم إلى الشام، ومرّ عن جبلة، في فترة ما بين 610-616 ميلادية تقريباً. بناء على ذلك، يكون هذا النقش أقدم نقش إسلامي نملكه حتى الآن. فكل ما عثرنا عليه من نقوش قبله ينتمي إلى ما بعد الهجرة.
رابعاً: وهو يعطينا أول دليل ملموس على صحة الأخبار حول اشتغال الرسول بالتجارة. وهو ما يؤكد صدق المصادر الإسلامية في هذا الخصوص. لكن الجديد الذي يعطينا إياه النقش أن رحلات الرسول إلى الشام وصلت إلى أبعد مما نظن، أي إلى جبلة، وربما إلى الشمال منها.

قراءة النقش
صورة النقش المنشورة مقلوبة. لذا يجب قلب الصورة عند محاولة قراءة النقش. والنقش في حالة ليست ممتازة، لكنه مقروء عموماً. وهناك حروف طمست أجزاء منها، لكن يمكن استعادتها بسهولة.
النقش بعد قلبه وإعادته إلى وضعه الطبيعي

وكما نرى، فلدينا سطر أفقي طويل نسبياً وواضح إلى حد لا بأس به، ينحدر إلى الأسفل بالتدريج. هذا السطر يقرأ بسهولة «أنا محمد». وهناك في زاوية الحرفين «نا» خط مصادف اخترق الزاوية ومضى للأسفل. بعد ذلك يأتي حرف الميم الأول في الاسم (محمد). وهو واضح رغم انطماس جزء من قاعدته. بعد ذلك تأتي الحال. وهي الحرف الوحيد المتضرر جدياً في هذا السطر. لكن يمكن بناؤها من بقاياها. فوق الحاء هناك خطوط مصادفة تشبه شوكة مقلوبة بذراعين. بعد ذلك، تأتي الميم الثانية التي هي أكبر حجماً من الميم الأولى. ثم تتبع ذلك الدال، وهي واضحة ولا مشكلة فيها. ولا يوجد فراغ مناسب بين كلمتي «أنا» و«محمد». لكنّ الكلمتين مقروءتان ولا مشكلة في قراءتهما.
بعدما قرأت السطر الأول أثار النقش اضطرابي، ولم أعد قادراً على الإمساك ببقية النص. فهناك حرف واو كبير وواضح أسفل السطر لكنه يأخذ اتجاهاً معاكساً لاتجاه السطر الأول. وهذا ما شوشني. لكن بالتدريج اكتشفت أن هذه الواو جزء من كلمة «رسول» كُتبت عمودياً، قاطعة كلمة محمد. إذن، فثمة هنا لعب وتفنن بالكتابة. الحرف الوحيد غير الواضح في كلمة «رسول» هو حرف الراء. فهناك شكل يكاد يشكّل ثلثي دائرة، قد تكون الراء جزأه الأيمن. لكن هذا غير مؤكد. لذا يمكن أن تكون الراء في أعلى هذه الدائرة غير المكتملة التي تبدو نتاجاً مصادفاً. وهناك بالفعل بقايا حرب إلى الأعلى. وقد قدرت أن هذا هو حرف الراء.
حرف السين واضح إلى حد لا بأس به، وأسنانه واضحة. وهو يمتد ويقطع الخط الواصل بين الحاء والميم في كلمة «محمد». أما الواو فضخمة وواضحة جداً. وإلى الأسفل منها حرف اللام. وهي أقل وضوحاً لكنها مقروءة.
بعد ذلك نجد كلمة الله وقد تنحّت وحدها إلى اليمين. وهي مقروءة رغم انطماس أجزاء من حروفها. بذا يكون لدينا توقيع الرسول كاملاً: «أنا محمد رسول الله». وأدناه تتبعي لحروف النقش على الصورة باللون الأحمر.


نقش جبل سلع
وإذا صح هذا، فهو يعيدنا إلى توقيع الرسول المفترض في جبل سلع بالمدينة المنورة. فقد قرئ على الجهة اليسرى عدد من أسماء الصحابة إضافة إلى اسم رسول الله «محمد بن عبد الله». والحقيقة أن كلمة «بن» غير واضحة، لكن يمكن افتراضها. وما أود أن أضيفه هنا أن الكلمات التي تلي اسم الرسول لم تقرأ بشكل سليم. فقد قرأ محمد حميد الله «بن عوسجة». لكنني أقرؤها هكذا: «رسول الله». فهناك خط مصادف فوق السين يشبه حرف العين هو الذي شوش القراءة وأوصلنا إلى القراءة الخاطئة لهذا السطر. وأدناه تتبعي لحروف توقيع النبي المفترض بما يشمل جملة «رسول الله».

بناء عليه، فتوقيع الرسول هنا يذكر اسم والده «عبد الله»، في حين أنه لا يذكره في نقش جبلة. عدا ذلك فالصيغة ذاتها. وبالمقارنة بين النقشين، يمكن القول إن الخط بينهما متقارب إلى حد لا بأس، وهو ما يقوي احتمال أن يكون نقش سلع كٌتب بخط يد الرسول. وسوف أنشر قريباً ورقة عن نقوش جبل سلع أقدّم فيها تفسيراً فرضيتي هذه النقوش.

* شاعر فلسطيني