في بحث سابق لي، نشرت مختصراً عنه في ملحق «كلمات»، أوضحت أنّ «الأميين» ليسوا مشركي مكة أو مشركي العرب. كما أن المصطلح (أميين) ليس نقيضاً لمصطلح «أهل الكتاب»، كما تعتقد الغالبية الآن، بل هو مصطلح يشير إلى الشيع والمجموعات الإبراهيمية التي كانت موجودة في مكة قبل الإسلام وفي بدايته. كما أوضحت أن هذا المصطلح على علاقة بالنبي إبراهيم الذي يوصف في القرآن بأنه «أمة»: «إن إبراهيم كان أمةً قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين». (سورة النحل: 120). وبما أنه «أمة»، فإن فأتباعه «أميون». ووصف إبراهيم بالأمة يعني أنه لم يتبع رسلاً قبله. فملّته كانت بدءاً وتأسيساً. وكل من كان كذلك، فهو أمة: «الأُمَّةُ الرجل المتفرد بدين كقوله تعالى: إن إبراهيم كان أُمَّةً قانتاً لله». (لسان العرب). أما الشيع الإبراهيمية المكية قبيل الإسلام وفي باديته، فكانت: الأحناف، الصابئة الإبراهيمية، وربما فرقة محددة أخرى باسم الأميين. وكانت هذه كلها فرقاً متقاربة جداً. وقد انتمى الرسول إلى مناخ الأميين هذا، بعدما غادر ديانة الجاهلية. وأضفت في بحثي أن الإسلام انبثق من صفوف الأميين. لذا كان المسلمون يدعون بالأميين قبل أن يصبح اسمهم مسلمين.

والكلمات أعلاه مقدمة للحديث عن الآية 78 من سورة البقرة التي يرد فيها ذكر الأميين: «ومنهم أميّون لَا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون». وكنت عرضت لهذه الآية في المبحث المذكور، لكنني لم أتمكن وقتها من تقديم حل جيد لمعضلة كلمة «أماني» فيها. وكما هو معروف، فقد أثارت هذه الكلمة الغامضة في الآية جدالاً واسعاً. وقد اقترِحتْ عدة اقتراحات لمعناها: كذب، أمنيات، قراءة، تلاوة، أحاديث، إلخ. لكن كل هذه الاقتراحات لم تتمكن من إغلاق ملف كلمة «أماني» إغلاقاً نهائياً.

«التضحية بإسحاق» للإيطالي كارافاجيو (زيت على كانفاس ــ 116 × 173 سنتم ــ 1598)

وأود هنا أن أقترح أن تصحيفاً قد حدث في كلمة «أماني» هو الذي أنتج الغموض، وأن الكلمة في الأصل «أمالي»، من الجذر «ملى»، لا «أماني». والجذر «ملى» يعطي معنى الكتابة من فم شخص آخر: «أَمَلَّ الشيءَ: قاله فكُتِب. وأَمْلاه: كأَمَلَّه، على تحويل التضعيف. وفي التنزيل:  فليُمْلِلْ وَلِيُّه بالعدْل؛ وهذا من أَمَلَّ، وفي التنزيل أَيضاً: فهي تُمْلى عليه بُكْرةً وأَصِيلاً؛ وهذا من أَمْلى» (لسان العرب). يضيف اللسان: «وقال: أَمللت عليه الكتاب وأَمليته. وفي حديث زيد: أَنه أَمَلَّ عليه لا يَستوي القاعدون من المؤمنين. يقال: أَمْلَلْت الكتاب وأَمليته إِذا أَلقيته على الكاتب ليكتبه» (لسان العرب).
أما الآيات التي تسبق الآية التي نحن بصددها، فتتحدث عن أهل الكتاب. وكان هؤلاء، حسب النص، يطلبون من بعضهم عدم الإفصاح للمسلمين عما في الكتاب وشروحه كي لا يستخدمه المسلمون ضدهم: «وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون» (البقرة 76). وتبعاً للآية، فإن بعض الذين كانوا يقولون مثل هذا القول كانوا من الأميين. وهو ما يعني أن القرآن كان يشمل الأميين عند الحديث عن أهل الكتاب بشكل ما. يدل على ذلك أن هؤلاء الأميين كانوا على معرفة ما بالكتاب كما تخبرنا الآية. وتصف الآية معرفة هذا الطراز من الأميين بالكتاب بأنها معرفة واهية أو موهومة. فهي مجرد أمالي، أي إملاءات مكتوبة، وليست من أصل الكتاب. أي أنها تفسيرات وتعليقات من أفواه الآخرين وليست من الوحي الأصلي في شيء، رغم ظن هؤلاء الأميين غير ذلك. وهذا ما قد يشير إلى أن كراسات، صحفاً، أمالي، لها علاقة بالكتاب المقدس كانت منتشرة في ذلك الوقت في مكة، وكان الأميون يتعبدون بها. وقد انتشر مصطلح «الأمالي» في الإسلام في ما بعد. فصار لدينا كتب (أمالي) كثيرة مثل «أمالي» أبي علي القالي وغيره.
يؤيد استخلاصنا هذا أن آيتنا تتحدث عن هذا الطراز من الكتابة بوضوح: «فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون». وكما نرى فهناك أناس يكتبون أشياء ليست من الكتاب ويجعلونها من الكتاب. هذه الكتابات هي الأمالي، أي الكراسات التي تملى وتكتب. وهي الكتابات التي يعرفها بعض الأميين المذكورين في الآية ويظنون أنها من الكتاب المقدس.
وَصف إبراهيم بالأمة يعني أنه لم يتبع رسلاً قبله، فملّته كانت بدءاً وتأسيساً


وإذا صح استخلاصنا هذا، فإنه يمكن تطبيق ما قلناه على الآية 52 من سورة الحج. فالتصحيف وقع فيها أيضاً. أو قل امتد إليها: «وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته». ومن سياق الآية فقد فهم عموماً أن التمني هو التلاوة أو القراءة: «تمنى: أي قرأ وتلا. وألقى الشيطان في أمنيته: أي قراءته وتلاوته» (القرطبي، تفسير القرطبي) . لكن إذا قرأنا «تملّى» و«أمليته»، فستصبح الآية أكثر وضوحاً. فإذا تملّى أي الرسول، أي أملى على من يكتب له، تدخل الشيطان فألقى أمليته داخل أملية الرسول لتبدو كأنها جزء منها. والآية تشير إلى سورة النجم، فلما وصل إملاء الرسول للوحي إلى فقرة: «أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى»، ألقى الشيطان أمليته على لسانه بعد هذه الجملة، أي أملى على لسانه: «تلك الغرانيق العلى. وإن شفاعتهن لترتجى». بذا، فقد قطع إملاء الوحي بإملائه الشيطاني باعتباره جزءاً من الوحي القرآني، لكن هذا الإملاء نسخ من النص القرآني بأمر الله. وحسب الآية، فإن الرسل الآخرين كلهم كانوا يتعرضون لمثل هذا، حيث يقطع الشيطان الإملاء، أو التملي، عبر نص زائف يضيفه إلى النص الأصلي الصحيح.
بناء عليه فالأملية (أمليته) في الآية مفرد أمالي في الآية السابقة. فالأملية هي المنطوقة الواحدة، الآية الواحدة، في حين أن الأمالي جملة من المنطوقات أو الآيات. ويبدو أن كراسات محددة فيها أمليات، أي شروح وتفسيرات، كانت تسمى «أمالي» وتتداول كأدب ديني يحسبها بعضهم من الوحي، أو يتبعها له. ومن هذا نتج تقليد الأمالي في الثقافة العربية. فلدينا أمالي ثعلب، وأمالي الزجاجي الصغرى والكبرى، وأمالي أبي علي القالي، وشرحها لأبي عبيد البكري، وذيل أمالي القالي للقالي أيضاً، وصلة ذيل الأمالي له أيضاً، وأمالي الصولي، وأمالي السيد المرتضى المسماة بالغرر والدرر، وأمالي الشهاب الخفاجي.

* شاعر فلسطيني