الخط
شاعرٌ شاب من أهلِ الكوفة، اسمه أحمد، يكنّى أبا الطيب ويلقبونه بالكندي، أُغرمَ ببنتٍ، طالبة جامعية اسمها زيزفونة، شابة ليست جميلة جداً، عادية من عائلةِ شامية سكنتْ منذ سنوات قربَ مقام مسلم بن عقيل بن أبي طالب. كان غراماً صامتاً، لم يحركْ الشاعر لأجل تتويجه قدماً، لم يفتح فماً، ولم يكلف للوصلِ فاعلَ خير.
في أحد الأيام، وجدَ الشاعر أنّ الكلمات قد تجمّعتْ في فمه، شعر بها كما لو أنها كرات من نار لم يعد قادراً على بلعها، ولا استطاع - في الوقت ذاته - التخلّصَ منها، لم ينفخها فيسلمها للريح، ليبدو تصرفه عقلانياً من أجل النجاة. فقرّر أن يضعَ بين يديّ محبوبته هذا الشيء الذي توهّج في قلبه، فتحوّل إلى كلمات، أو جمرات في الفم، لن يستطيع على كل حال الاحتفاظ بها إلى الأبد.

لكن أبا الطيب لم يدفع كلماته مباشرةً، لم يفعِّلها مثلما يحدث عادة مع الفرسان، أولئك الحمقى بحسب تصوّره، اعتبر مثل هذا التصرف تهوّراً، فكّر كثيراً بالطريق المضمونة التي يتجنّب بها المرء أيّ احتمال للخسارة، ولا سيّما النوع الذي لا يمكن التخفيف من آثاره. على هذا الأساس، بدأ بترتيب الجُمل، فظهر مثل صيدلانيّ حريص على خلط المقادير بدقة متناهية، وعلى النحو الذي لم يترك في بناء الجُمَلِ ذرةً لا من زيادةٍ ولا من نقصان، تدرّب على ضبط الحركات التي ينبغي القيام بها أثناء المنازلة الفاصلة، استشار الخبراءَ لاختيار الملابس التي يظهر فيها عند اللحظة المصيرية، تفرّج على قصّات الشعر ليختار واحدة لا تشكل خدشاً في هارمونيا الصورة النهائية لظهوره كعاشق يستحق الإعجاب. ثم سأل نفسه: هل من المناسب إبقاء الشارب، هذا الشيء الذي كانت إزالته تشكل نكراناً لشروط الرجولة كما أقرّها المجتمع، أم يحلقه؟ وهو بهذا يضرب كل المقولات عرض الحائط. في النهاية، واظب لأسبوعين على تناول خلطة لتحسين أداء الحنجرة، ملعقة من زيت الزيتون، وملعقة من العسل على الريق، قيل له إن هذا الشيء كفيل بتحسين قدراته الصوتية، وتحقيق أعلى درجات الصفاء في النغمة التي ترافق دفع الكلمات في حضرة المحبوبة.
وتفاعل أحد اصدقاء الشاعر كثيراً مع القصة، نصحه أن يشرب قبل ساعة الصفر نصف قنينة عَرق زحلاوي، قال إنها كفيلةٌ بمنح الشجاعة الكافية لشخص يمكنه اقتحام قلعة رومانية، وليس مجرّد فتاة نحيلة بوزن أربعين كيلوغراماً فقط... وعلى ما يبدو أن نصف القنينة لم يكن كافياً لنجاح محاولة الاقتحام، فقد توقّف الشاعر أبو الطيب على بُعد عشرين متراً من زيزفونة، شعر أن الطاقة التي في الشراب قد نفدت عند تلك النقطة. وحتى لا تتأصل فكرة الفشل، فتصيرَ عقدة يصعب فكّ خيوطها، قال:
- الشراب مغشوش، نعم إنه شرابٌ مغشوشٌ، ولا تكفي نصف قنينة منه للقيام بعمل مصيريّ مثل هذا.
عادت زيزفونة من الكلية أثناءَ وقوفه، إنها فتاة نحيلة حقاً، يسير إلى جانبها ظلٌ نحيلٌ لفتاة تزن أربعين كيلوغراماً فقط، في عينيها شرودٌ، وعلى فمها ابتسامةٌ غير مفهومةِ. وفي تلك المسافة الفاصلة بينهما، شعر أبو الطيب بأنه مثل مسمار يغوص مع الوقت في جدار من الكونكريت، بينما زيزفونة خفّفت من إيقاع خطواتها حتى بدتْ كأنها سوف تتوقف، أو هكذا خُيّل للشاعر الذي أصابه في تلك اللحظة العصيبة الدوار. دار العالم كلّه بسرعة حتى اختلطت عليه الجهات، اضطربت معدته وشعر بفساد في أمعائه، استدار بالاتجاه الذي ظنّه يعاكس اتجاه سير زيزفونة، ضغطت عليه فكرة الهرب، انتزع جسده ثم مشى خمسة أمتار بخطوات مرتبكة، تقيّأ وطار من رأسه السُكْر الخفيف، خبت نارٌ في قلبه، واحترقت فكرة الشجاعة، صارت رماداً، شعر بالبرد رغم أن الطقس كان شديد الحرارة، ارتجف جسده لمدة وجيزة، وتسارع نبضه حتى كاد قلبه يتوقف. في النهاية لم يعد قادراً على البقاء للحظة واحدةِ في المكان، قال: إن الهربَ مناورة وليس خزياً، لم أصل إلى العنب، هذا صحيح، ولا يجب القول في الوقت نفسه عن العناقيد إنها عالية، ينبغي أن أنسحب أولاً، ثم أبحث عن سلّمِ فأعود ثانية للمحاولة.
وصل المنزل، فرش شريط الواقعة على طاولة التشريح، فحص اللقطات بجديةٍ، واحدة بعد الأخرى، قصّ وركّب بعملية مونتاج مجهدة، ثم في النهاية أرجع سبب اندحاره كلّه إلى الطاقة التي في الشراب، قال:
- كان عليّ أن أشرب قنينة عرق كاملة. جارٌ له - خبيرٌ بالشراب - لم ينصحه بذلك، قال إنه لو فعلها لن يستطيع الحركة والخروج من البيت، وحتى لو استطاع المشي والخروج، سيكون حاله مضحكاً، لا يحمل أي قدرِ من الثقة، ولا يجلب له أيّ ذرةِ من الإعجاب، بل لن يكون بمقدوره أصلاً، دفع كلمة واحدة باتجاه زيزفونة، لن تخرج الكلمات المتراكمة في فمه، سيكون على الأرجح مشلولاً.
تلقّى أبو الطيب بعدها، نصائحَ عدة، جرّب طرقاً معقّدةً، شاهد الأفلامَ التي تَظْهر فيها مشاهدُ الاعتراف المثالية، وشارك بعض المسرحيين عملاً، أُسند إليه دور العاشق فيه، لكنه لم يحقق شيئا قط. لقد كان جسده يتعطل بمجرّد الوصول إلى نقطة العشرين متراً، رغم ذلك كان مخلصاً بخلق فرصِ للوصول إلى البنت التي تزن أربعين كيلوغراماً فقط. ذات يوم طلب من الحلاق أن يحفر على مؤخرة رأسه كلمة: أحبك، كانت هذه الفكرة قد جاءته في حُلمِ، وأعجب بها صديقٌ له حشّاش وغرائبيّ الطباع. ثم قرر - في واحدة من الأفكار - تنفيذ مشهد مستهلك، من تلك التي شاهدها الناس كثيراً في الأفلام المصرية، إذ يستأجر العاشق آخرين، فيقوم بدور المدافع عن فتاة، يقاتل من أجلها في مشهد مؤثر رجلاً وغداً، عملاقاً يرتجف أمامه الفيل.
المشكلة أن أبا الطيب لا يستطيع الاقتراب أكثر عشرين متراً، ولا يمكن بالطبع حدوث تفاعل كيميائي بين شخصين تفصلهما هذه الهوة الواسعة. أما زيزفونة فكانت تمرّ دائماً من الطريق نفسها، يرافقها ظلّها النحيل، تتوقف أو هكذا يُخيّل لأبي الطيب، تصوّب نظرة شاردة في الفراغ، كأنها تنتظر ملاكاً يهبط من السماء يحمل لها بشارة، أو أن تحدث معجزة يقوم بنسج تفاصيلها إله الحبّ، ثم تواصل رحلتها بجسدِ نحيلِ كأن الريح سوف تأخذه، فلا يبقى لها على الطريق أثر.
وفي واقع الأمر، إن الأساس في هذه الهزيمة المروّعة التي لحقت بأبي الطيب، هذه المحنة العاطفية، تكمن في خوفه أن لا يلقى استجابة، فيُصاب بانهيار، وتتحطّم تجربته الوجودية، يخاف أن يُنْفَى خارج كونه بشراً يصلح للعيش مثل الآخرين. ولأنه فكر طوال الوقت بمعضلته التي لم يظهر لحلّها رأس خيط، فقد الشهية بالطعام أيضاً، ولم يكن يفعل شيئاً في الليل والنهار سوى كتابة القصائد، وتدخين السجائر، نحوله ازداد يوماً بعد يوم فكان يذوب مثل شمعة، ثم مرت ثلاثة أشهر، ولم يعد في رأسه فكرة جديدة تصلح لمحاولة أخيرة، وصل إلى النقطة التي لا يمكن الانطلاق منها للعبور إلى أي نقطة أخرى.
في أحد الصباحات، حدث شيء عجيب حقاً، فقد استيقظ أبو الطيب بعد ليلة طويلة من التفكير، ليلة أخرى من كتابة الشعر والتدخين، قام من سريره خفيفاً كأنه ورقة أو أخفّ، فشعر كما لو أنه تحرّر للتو من كل عبء، دخل الحمام وأمامَ المرآة لم ير نفسه، فرك عينيه ولم يجدها. لقد تحوّل إلى طيف، تلاشت طبيعته المادية ولم يعد مرئياً، ومثل هذا الأمر كان مربكاً فعلاً، جرب أن يحادث نفسه، فعل ذلك بطريقة الغريق الذي يتمسّك بقشة، فكر في أنّ الأمل الوحيد في إثبات وجوده يكمن في صوته، كان خفيضاً، هذا صحيح، لكنه مسموعٌ على كل حال. وهكذا عاش الشاعر العاشق، مثل شبح له صوت نحيلٌ، لكنه استعاد بواسطة خفته كل شجاعته، سار إلى جانب زيزفونة للمرّة الأولى ذلك النهار، وكان يرفع طبقة صوته، يقول:
- أحبك يا زيزفونة.
وكانت تشعر بحفيف جناحي فراشة أو ما شابه، وبصوت آدميّ كأنه يجيء من قرون بعيدة، يقرأ قصيدة مطلعها:
أَبلى الهَوى أَسَفاً يَومَ النَوى بَدَني
وَفَرَّقَ الهَجرُ بَينَ الجَفنِ وَالوَسَنِ
أعجبتها، عاد أبو الطيب إلى البيت ذلك اليوم، بينما زيزفونة لم تعد تتوقف في تلك النقطة التي تعودت أن تقف عندها، كانت تخرج من باب الكلية، تنظر يميناً ويساراً، تبتسم عندما تسمع حفيف جناحي الفراشة، والتي يعقبها الصوت الذي يجيء من قاع الزمن إلى هذه المدينة، صوت يرافقها حتى باب منزلها، بينما عيناها الجميلتان تغرقان بنهر من غرام.
* بروكسيل/ العراق
في أحد الأيام، وجدَ الشاعر أنّ الكلمات قد تجمّعتْ في فمه، شعر بها كما لو أنها كرات من نار لم يعد قادراً على بلعها، ولا استطاع - في الوقت ذاته - التخلّصَ منها، لم ينفخها فيسلمها للريح، ليبدو تصرفه عقلانياً من أجل النجاة. فقرّر أن يضعَ بين يديّ محبوبته هذا الشيء الذي توهّج في قلبه، فتحوّل إلى كلمات، أو جمرات في الفم، لن يستطيع على كل حال الاحتفاظ بها إلى الأبد.

سلفادور دالي ـ «دولسينيا عندما ظهرت لدونكيشوت» (طباعة حجرية، 1957).
لكن أبا الطيب لم يدفع كلماته مباشرةً، لم يفعِّلها مثلما يحدث عادة مع الفرسان، أولئك الحمقى بحسب تصوّره، اعتبر مثل هذا التصرف تهوّراً، فكّر كثيراً بالطريق المضمونة التي يتجنّب بها المرء أيّ احتمال للخسارة، ولا سيّما النوع الذي لا يمكن التخفيف من آثاره. على هذا الأساس، بدأ بترتيب الجُمل، فظهر مثل صيدلانيّ حريص على خلط المقادير بدقة متناهية، وعلى النحو الذي لم يترك في بناء الجُمَلِ ذرةً لا من زيادةٍ ولا من نقصان، تدرّب على ضبط الحركات التي ينبغي القيام بها أثناء المنازلة الفاصلة، استشار الخبراءَ لاختيار الملابس التي يظهر فيها عند اللحظة المصيرية، تفرّج على قصّات الشعر ليختار واحدة لا تشكل خدشاً في هارمونيا الصورة النهائية لظهوره كعاشق يستحق الإعجاب. ثم سأل نفسه: هل من المناسب إبقاء الشارب، هذا الشيء الذي كانت إزالته تشكل نكراناً لشروط الرجولة كما أقرّها المجتمع، أم يحلقه؟ وهو بهذا يضرب كل المقولات عرض الحائط. في النهاية، واظب لأسبوعين على تناول خلطة لتحسين أداء الحنجرة، ملعقة من زيت الزيتون، وملعقة من العسل على الريق، قيل له إن هذا الشيء كفيل بتحسين قدراته الصوتية، وتحقيق أعلى درجات الصفاء في النغمة التي ترافق دفع الكلمات في حضرة المحبوبة.
وتفاعل أحد اصدقاء الشاعر كثيراً مع القصة، نصحه أن يشرب قبل ساعة الصفر نصف قنينة عَرق زحلاوي، قال إنها كفيلةٌ بمنح الشجاعة الكافية لشخص يمكنه اقتحام قلعة رومانية، وليس مجرّد فتاة نحيلة بوزن أربعين كيلوغراماً فقط... وعلى ما يبدو أن نصف القنينة لم يكن كافياً لنجاح محاولة الاقتحام، فقد توقّف الشاعر أبو الطيب على بُعد عشرين متراً من زيزفونة، شعر أن الطاقة التي في الشراب قد نفدت عند تلك النقطة. وحتى لا تتأصل فكرة الفشل، فتصيرَ عقدة يصعب فكّ خيوطها، قال:
- الشراب مغشوش، نعم إنه شرابٌ مغشوشٌ، ولا تكفي نصف قنينة منه للقيام بعمل مصيريّ مثل هذا.
عادت زيزفونة من الكلية أثناءَ وقوفه، إنها فتاة نحيلة حقاً، يسير إلى جانبها ظلٌ نحيلٌ لفتاة تزن أربعين كيلوغراماً فقط، في عينيها شرودٌ، وعلى فمها ابتسامةٌ غير مفهومةِ. وفي تلك المسافة الفاصلة بينهما، شعر أبو الطيب بأنه مثل مسمار يغوص مع الوقت في جدار من الكونكريت، بينما زيزفونة خفّفت من إيقاع خطواتها حتى بدتْ كأنها سوف تتوقف، أو هكذا خُيّل للشاعر الذي أصابه في تلك اللحظة العصيبة الدوار. دار العالم كلّه بسرعة حتى اختلطت عليه الجهات، اضطربت معدته وشعر بفساد في أمعائه، استدار بالاتجاه الذي ظنّه يعاكس اتجاه سير زيزفونة، ضغطت عليه فكرة الهرب، انتزع جسده ثم مشى خمسة أمتار بخطوات مرتبكة، تقيّأ وطار من رأسه السُكْر الخفيف، خبت نارٌ في قلبه، واحترقت فكرة الشجاعة، صارت رماداً، شعر بالبرد رغم أن الطقس كان شديد الحرارة، ارتجف جسده لمدة وجيزة، وتسارع نبضه حتى كاد قلبه يتوقف. في النهاية لم يعد قادراً على البقاء للحظة واحدةِ في المكان، قال: إن الهربَ مناورة وليس خزياً، لم أصل إلى العنب، هذا صحيح، ولا يجب القول في الوقت نفسه عن العناقيد إنها عالية، ينبغي أن أنسحب أولاً، ثم أبحث عن سلّمِ فأعود ثانية للمحاولة.
وصل المنزل، فرش شريط الواقعة على طاولة التشريح، فحص اللقطات بجديةٍ، واحدة بعد الأخرى، قصّ وركّب بعملية مونتاج مجهدة، ثم في النهاية أرجع سبب اندحاره كلّه إلى الطاقة التي في الشراب، قال:
- كان عليّ أن أشرب قنينة عرق كاملة. جارٌ له - خبيرٌ بالشراب - لم ينصحه بذلك، قال إنه لو فعلها لن يستطيع الحركة والخروج من البيت، وحتى لو استطاع المشي والخروج، سيكون حاله مضحكاً، لا يحمل أي قدرِ من الثقة، ولا يجلب له أيّ ذرةِ من الإعجاب، بل لن يكون بمقدوره أصلاً، دفع كلمة واحدة باتجاه زيزفونة، لن تخرج الكلمات المتراكمة في فمه، سيكون على الأرجح مشلولاً.
تلقّى أبو الطيب بعدها، نصائحَ عدة، جرّب طرقاً معقّدةً، شاهد الأفلامَ التي تَظْهر فيها مشاهدُ الاعتراف المثالية، وشارك بعض المسرحيين عملاً، أُسند إليه دور العاشق فيه، لكنه لم يحقق شيئا قط. لقد كان جسده يتعطل بمجرّد الوصول إلى نقطة العشرين متراً، رغم ذلك كان مخلصاً بخلق فرصِ للوصول إلى البنت التي تزن أربعين كيلوغراماً فقط. ذات يوم طلب من الحلاق أن يحفر على مؤخرة رأسه كلمة: أحبك، كانت هذه الفكرة قد جاءته في حُلمِ، وأعجب بها صديقٌ له حشّاش وغرائبيّ الطباع. ثم قرر - في واحدة من الأفكار - تنفيذ مشهد مستهلك، من تلك التي شاهدها الناس كثيراً في الأفلام المصرية، إذ يستأجر العاشق آخرين، فيقوم بدور المدافع عن فتاة، يقاتل من أجلها في مشهد مؤثر رجلاً وغداً، عملاقاً يرتجف أمامه الفيل.
المشكلة أن أبا الطيب لا يستطيع الاقتراب أكثر عشرين متراً، ولا يمكن بالطبع حدوث تفاعل كيميائي بين شخصين تفصلهما هذه الهوة الواسعة. أما زيزفونة فكانت تمرّ دائماً من الطريق نفسها، يرافقها ظلّها النحيل، تتوقف أو هكذا يُخيّل لأبي الطيب، تصوّب نظرة شاردة في الفراغ، كأنها تنتظر ملاكاً يهبط من السماء يحمل لها بشارة، أو أن تحدث معجزة يقوم بنسج تفاصيلها إله الحبّ، ثم تواصل رحلتها بجسدِ نحيلِ كأن الريح سوف تأخذه، فلا يبقى لها على الطريق أثر.
وفي واقع الأمر، إن الأساس في هذه الهزيمة المروّعة التي لحقت بأبي الطيب، هذه المحنة العاطفية، تكمن في خوفه أن لا يلقى استجابة، فيُصاب بانهيار، وتتحطّم تجربته الوجودية، يخاف أن يُنْفَى خارج كونه بشراً يصلح للعيش مثل الآخرين. ولأنه فكر طوال الوقت بمعضلته التي لم يظهر لحلّها رأس خيط، فقد الشهية بالطعام أيضاً، ولم يكن يفعل شيئاً في الليل والنهار سوى كتابة القصائد، وتدخين السجائر، نحوله ازداد يوماً بعد يوم فكان يذوب مثل شمعة، ثم مرت ثلاثة أشهر، ولم يعد في رأسه فكرة جديدة تصلح لمحاولة أخيرة، وصل إلى النقطة التي لا يمكن الانطلاق منها للعبور إلى أي نقطة أخرى.
في أحد الصباحات، حدث شيء عجيب حقاً، فقد استيقظ أبو الطيب بعد ليلة طويلة من التفكير، ليلة أخرى من كتابة الشعر والتدخين، قام من سريره خفيفاً كأنه ورقة أو أخفّ، فشعر كما لو أنه تحرّر للتو من كل عبء، دخل الحمام وأمامَ المرآة لم ير نفسه، فرك عينيه ولم يجدها. لقد تحوّل إلى طيف، تلاشت طبيعته المادية ولم يعد مرئياً، ومثل هذا الأمر كان مربكاً فعلاً، جرب أن يحادث نفسه، فعل ذلك بطريقة الغريق الذي يتمسّك بقشة، فكر في أنّ الأمل الوحيد في إثبات وجوده يكمن في صوته، كان خفيضاً، هذا صحيح، لكنه مسموعٌ على كل حال. وهكذا عاش الشاعر العاشق، مثل شبح له صوت نحيلٌ، لكنه استعاد بواسطة خفته كل شجاعته، سار إلى جانب زيزفونة للمرّة الأولى ذلك النهار، وكان يرفع طبقة صوته، يقول:
- أحبك يا زيزفونة.
وكانت تشعر بحفيف جناحي فراشة أو ما شابه، وبصوت آدميّ كأنه يجيء من قرون بعيدة، يقرأ قصيدة مطلعها:
أَبلى الهَوى أَسَفاً يَومَ النَوى بَدَني
وَفَرَّقَ الهَجرُ بَينَ الجَفنِ وَالوَسَنِ
أعجبتها، عاد أبو الطيب إلى البيت ذلك اليوم، بينما زيزفونة لم تعد تتوقف في تلك النقطة التي تعودت أن تقف عندها، كانت تخرج من باب الكلية، تنظر يميناً ويساراً، تبتسم عندما تسمع حفيف جناحي الفراشة، والتي يعقبها الصوت الذي يجيء من قاع الزمن إلى هذه المدينة، صوت يرافقها حتى باب منزلها، بينما عيناها الجميلتان تغرقان بنهر من غرام.
* بروكسيل/ العراق

