النسويّة والحرب على غزة

في مقابل هذا الاستهزاء، كانت بعض الأصوات النسوية القوية في الحرب الأخيرة على غزة أقوى سلاح فتاك في الحرب الرمزية والإعلامية لتوضيح أثر التدمير ومداه وبشاعة الحرب ولا إنسانيتها. لقد أثبتن أنّ النساء اللواتي يخترن مواجهة النظام الأبوي والظالم يقفن في صف العدالة والحقوق في الحياة حين يتطلب الأمر منهن ذلك ولو كان في ذلك إبحار عكس التيار العالمي وقوى الضغط والمصالح العالمية.

اتخذت الفيلسوفة جوديث باتلر مثلاً موقفاً قوياً ضدّ إسرائيل في غزة، فقد وصفتها بأنها أعمال إبادة جماعية. وهي ترى أنّ العنف ضد الفلسطينيين ليس مجرد صراع بين طرفين، بل استمرار لعمليات التهجير والعنف التي تعود إلى نكبة عام 1948. وتؤكد أن الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى متواطئة في هذه الأفعال عبر تقديم الدعم الأيديولوجي والمادي لإسرائيل، وغالباً ما تُصوَّر المقاومة الفلسطينية على أنها إرهاب لتبرير العنف. وشددت باتلر على نزع إنسانية الفلسطينيين في الخطاب العام، إذ تعدّ حياتهم أقل قيمة مقارنة بحياة الإسرائيليين. وهذا يتضح من التغطية الإعلامية، إذ يتم تصوير الأطفال الفلسطينيين الذين يُقتلون في الصراع كإحصائيات فقط، بينما يتم تغطية الإسرائيليين بشكل شخصي أكثر، فالمجتمع الدولي بحاجة إلى الاعتراف بهذه الأفعال وإدانتها كجرائم حرب، ودعم حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم السياسي لتحقيق السلام والعدالة الدائمة في المنطقة. إضافة إلى موقف جوديث باتلر الداعم للمرأة الفلسطينية، هناك مواقف أخرى لنساء بارزات مثل نويل مكافي وكارولين فوهلين، اللتين عبرتا عن تأييدهما العلني لحقوق الفلسطينيين. نويل مكافي، رئيسة قسم الفلسفة في «جامعة إيموري»، تعرضت للاعتقال أثناء احتجاجات داعمة لفلسطين في الحرم الجامعي. هذه الاحتجاجات جاءت كرد فعل على الأحداث الجارية في غزة، وأظهرت تضامنها مع النساء الفلسطينيات اللواتي يعانين جراء الصراع المستمر. كارولين فوهلين، أستاذة الاقتصاد في الجامعة نفسها، اعتُقلت أيضاً بطريقة عنيفة أثناء الاحتجاجات نفسها. تعرّضت فوهلين للاعتقال بعدما اقتربت من ضباط الشرطة لتسأل عن سبب اعتقال أحد الطلاب. كانت تصرخ: «أنا أستاذة جامعية»، فرمى بها الشرطي أرضاً بعنف واعتقلها بقوة. هذا الحدث أثار اهتماماً واسعاً وسلّط الضوء على القمع الذي يواجهه المتظاهرون السلميون في الجامعات الأميركية الداعمين للقضية الفلسطينية. وهذه المواقف التضامنية من نساء أكاديميات أسهمت في انتشار ودعم القضية الفلسطينية.
«كود بينك» حركة نسوية مناهضة للحرب، دعمت بشكل فعال حقوق الفلسطينيين وهي تعمل على تسليط الضوء على معاناة النساء في غزة والضفة الغربية. وتنظم الحركة فعاليات وحملات توعية لجمع التبرعات وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للنساء الفلسطينيات اللواتي يعانين من آثار النزاع. تعرّف العالم العربي إلى هذه الحركة، وخصوصاً في الحرب الأخيرة، إذ نظّمت الكثير من الاحتجاجات والتظاهرات. أنجيلا ديفيس، الناشطة النسوية والحقوقية الأميركية، عبّرت كذلك عن دعمها القوي للقضية الفلسطينية. وهي ترى أن النضال من أجل حقوق المرأة والنضال ضد الاحتلال الإسرائيلي مترابطان، وأن الحرية الحقيقية للمرأة لا يمكن تحقيقها إلا في إطار التحرر الكامل للشعب الفلسطيني. كثيرات هن النسويات الفلسطينيات اللواتي يعملن على تعزيز الوعي بالقضايا الفلسطينية من منظور نسوي. ويشددن على أهمية التضامن العالمي مع المرأة الفلسطينية في مواجهتها للتمييز والعنف الممنهج تحت الاحتلال الإسرائيلي، ويعملن على بناء تحالفات مع الحركات النسوية العالمية لدعم حقوق النساء في فلسطين.
أما النسوية الفلسطينية فإنّها أشد التصاقاً بآلام النّساء وتحديات الاستعمار والحرب، تعاني الوصم والظلم الفكري والثقافي في الوقت الذي تتخذ فيه موقفاً وطنياً لا يفصل بين الدفاع عن حقوق النساء والدفاع عن حقوق الوطن. تلتبس الظروف وتقسو قسوة مضاعفة لانتماء هؤلاء النسويات إلى ثقافة وأد النساء. مع ذلك، يجدن أنفسهن في صراع مرير مع كلّ العراقيل الثقافية والسياسية. يجدن أنفسهن أمام واقع النساء العربيات عموماً والفلسطينيات خصوصاً.
فالنساء العربيّات في البلدان التي تعاني من النزاعات المسلّحة يواجهن عبئاً كبيراً، إذ تتضاعف المعاناة بسبب الأدوار المتعدّدة التي يؤدينها في الأسرة والمجتمع. وتتجلى تأثيرات الحرب على النساء العربيات عبر جوانب رئيسية عدة تشمل الاقتصادية، الاجتماعية، النفسية، والصحية. يعانين من تبعات اقتصادية قاسية أثناء النزاعات وبعدها. وبفقدان عدد من الرجال حياتهم في الحروب، تضطر النساء إلى تحمل مسؤولية إعالة الأسر، فيؤدي ذلك إلى زيادة تأنيث الفقر، وخصوصاً في البيئات التي تفتقر إلى البنية التحتية الداعمة مثل الخدمات الاجتماعية والرعاية الصحية، وإلى ازدياد الاستغلال الاقتصادي سواء عبر العمل بأجور منخفضة أو العمل في ظروف غير إنسانية.
تتعرّض النساء في مناطق النزاعات والحرب إلى تغيير جذري في أدوارهن الاجتماعيّة. في بعض الأحيان، يضطررن إلى القيام بأدوار غير تقليدية مثل القتال أو دعم المقاتلين. تعلن هيئة الأمم المتحدة أنّه في كل يوم تستمر فيه الحرب في غزة، بالمعدّل الحالي، سيتواصل قتل 63 امرأة في المتوسط وتُقتل نحو 37 أماً كل يوم، ما يدمر حياة أسرهن ويقلص حماية أطفالهن. هكذا تؤدي الحروب إلى تدمير النسيج الاجتماعي وتفاقم الفجوة بين الجنسين، ما يعيق تقدم المرأة في المجتمع بعد انتهاء النزاع. وتواجه النساء أيضاً تزايداً في حالات العنف الجنسي والاستغلال.
ولا تقتصر آثار الحرب على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية فقط، بل تتعداها إلى الجانب النفسي، فيعانين من ضغوط نفسية هائلة نتيجة فقدان الأحباء، والتعرض للعنف، والعيش في ظروف غير مستقرة. والاكتئاب، والقلق، واضطرابات ما بعد الصدمة. هذه التأثيرات النفسية لا تؤثر فقط على النساء أنفسهن، بل تمتد لتؤثر على الأطفال والأسر بأكملها.
ورغم هذه الظروف القاسية والوحشية رأينا النساء العربيات في مناطق النزاع يظهرن قدراً كبيراً من الصمود والقوة، ويلعبن دوراً محورياً في إعادة بناء كل بيت انهدم وكل حياة أُزهقت بوحشية. ولهذا فإنهن محتاجات دعماً محلياً ودولياً للبقاء على قيد الحياة ولتعزيز قدرتهن على البقاء والمواجهة.
إن الحروب تسلب النساء الكثير من حقوقهن، ولكنّها في الوقت نفسه تكشف عن قدرتهن على التحمل والصمود. لقد أثبتت الحرب الأخيرة على غزة أن النسوية الإنسانية قادرة على إسماع صوت العدالة والضحايا في أرجاء الكون، ذلك أنه بمقدار الوجع المضاعف تكونُ الصّرخة مدويّة.
* باحثة تونسية في الإسلاميات وتحليل الخطاب الديني
