في تاريخ 14 آب (أغسطس)، دعي الفنان اللبناني زياد سحاب الى برلين للمشاركة في حفلة موسيقية، ينظمها اللبناني خليل شاهين، لاطلاق الاسطوانة الاولى لفرقة Out of Nations. وعزف زياد ضمن فرقة تضم اشخاصاً عدة بينهم المصرية فيروز كراوية وعازف الكمان «الروسي المقيم في برلين» ألكسي كوتشيتكوف. فوجئ الجميع صباح السبت ببيان أصدرته حملة المقاطعة في بيروت تلوم فيه الفنانين اللبناني والمصرية على مشاركتهما مع «الاسرائيلي» كوتشيتكوف مع وثائق ومراجع تثبت ذلك. جاء في البيان أن «كوتشيتكوف هذا وُلد ودرس الموسيقى في بلدة قرب روسيا، في سمولنسك. ثم قرّر أن يمارس «العودة» أو «الهجرةَ» أو «الصعود» (Aliya) إلى «إسرائيل»، بمساعدة «الوكالة اليهودية» (...)»، وأنه «شارك في مهرجانات خارج الكيان الصهيونيّ بوصفه إسرائيليّاً».

لم تتوجه الحملة الى زياد قبل العزف محذرة، بحيث تكون المحاسبة عبر بيان مجلجل لاحقاً هي الحل الوحيد لمحاسبة الفنان ووضعه أمام مسؤولياته. وقد أثار البيان الذهول والدهشة، خصوصاً أنه يتعرّض لزياد سحاب الفنان المعروف بمواقفه الملتزمة والممانعة، وبحذره الشديد من أي فخ تطبيعي قد يتربص به عبر الاعلام، أو خلال جولاته العالمية. زياد المنحدر من بيت وطني معروف بخياراته والتزاماته، ليس على طريقة «زياد دويري. حليب فلسطين»، بل فعلياً، وبشكل حاد يترك بصماته فوق المنابر وفي النشر والاعلام. إنهم «الإخوة سحاب» (حسب عنوان فيلم وثائقي لمنار سعد): إلياس وفيكتور وسليم المعروفون بمواقفهم القومية الصلبة التي ليست من أمجاد الماضي، بل تظهر كل يوم في الفضاء العام. ولام كثيرون الحملة المعروفة بدورها الفعّال والمرجعي في مقاومة التطبيع، لتسرعها في اصدار بيان لاحق على حفلة برلين، لا يفيد الا في خلق الشبهات والبلبلة، قبل التواصل مع شخص كزياد سحاب، قريب منها ومن نهجها، والاطلاع منه على وجهة نظره والحيثيات. ورأى بعضهم في نشر البيان شيئاً من الغلوّ، والتركيز على تسجيل نقاط في حرب البيانات، على حساب تماسك التيار المعارض للتطبيع، وبالتالي المخاطرة بتصدع صدقية هذا التيار لدى الرأي العام، وخلق شرخ علني في صفوفه واضعافه على الساحة العامة.

ما هي وجهة نظر زياد سحاب؟ يروي لنا الفنان المعروف بالتزامه وحساسيته المفرطة تجاه أي مبادرة تؤدي الى أنسنة القاتل، أنّه دعي الى المشاركة في هذه الحفلة مع عازفين عدٌة بينهم فنان روسي مقيم في برلين، ولم يراوده أي اشتباه في أي تفصيل انطلاقاً من ثقته بـ «منتج المشروع خليل شاهين الذي عمل عقداً ونصف العقد مع زياد الرحباني في بيروت قبل أن ينتقل الى برلين». قبل ليلتين من موعد العرض، أقيمت سهرة مع الزملاء، بينهم محمد ابو حجر (انسحب العام الماضي في برلين مع عرب آخرين من مهرجان «بوب كولتور» لمشاركة سفارة العدو في الرعاية والبرمجة). لفت الفنان السوري نظر زياد سحاب الى أن كوتشيتكوف «اسرائيلي»، فامتعض سحّاب وأكّد أنّه منسحب اذا صحت هذه المعلومة. وعندما واجه المنتج والعازف المعني، أنكرا بشدة وانفعال، واوضح ألكسي كوتشيتكوف أنه أقام عشر سنوات في ما يسميه هو «اسرائيل»، أي الكيان الصهيوني، حيث درس الموسيقى، قبل أن يعود للاستقرار في برلين. وانتهت المسألة عند هذا الحد، الى أن ظهر بيان حملة المقاطعة الذي خلق بلبلة حقيقية، ونقاشات حادة على مواقع التواصل الاجتماعي.
أصدر زياد سحاب على صفحته بياناً يوضح فيه ملابسات القضية، شارحاً أنه دعي إلى المشاركة في حفلة تضم فنانين من ألمانيا وفنانة مصرية وعازف كمان روسياً هو كوتشيتكوف. ويضيف أنّ الأخير أكد أنّه «لا يحمل الجنسية الاسرائيلية... والا لما وقفنا معه على المسرح». وذكر بموقفه الثابت من رفض الوقوف على المسرح الى جانب أي فنان بحمل جنسية العدو، انسجاماً مع قناعاته الراسخة لا ارضاء لأحد! واكد انه لم يتقاض أي أجر على الحفلة. وقد أصدر كوتشيتكوف بياناً من جهته، يقول فيه إنّه «ليس متديناً ولا صهيونياً ولا يمثل رسمياً دولة اسرائيل». أي أنه لم ينكر اسرائيليته، كما لفتت حملة المقاطعة التي واصلت نشر الوثائق التي تثبت كونه مواطناً اسرائيلياً، إذ احيا مثلاً قبل ثلاث سنوات حفلة في برلين ممثلاً الكيان الغاصب. هكذا تواصل الاحراج غير المجدي لزياد سحاب المجروح في كرامته، علماً أنه لا بد من الاعتراف بوجود خطأ ما لا يتحمل هو مسؤوليته، بل منتج الحفلة خليل شاهين الذي يفترض به أن يعرف خلفيات الفنانين جيداً على الساحة البرلينية، حيث يقيم ويعمل في الوسط الموسيقي منذ سنوات.

وكما هو متوقع وسط مشهد مشوش سياسياً، تشخصنت القضية للأسف، حتى وصل الأمر بزياد سحاب الى نشر صور لسماح ادريس أحد مناضلي الحملة، بملابس ماركة «لاكوست»، وفي هذه المناوشات اختزال لخطاب مواجهة الاختراقات الاسرائيلية للوعي العربي! أما النقاش الفكري والسياسي الخطير والضروري، فترك مكانه ــ وسط مناخ من التعنت والتشنّج والغلوّ ـــ لمبارزة وتناحر بين «إيغويات» وحساسيات فردية مجروحة. واستغل بعض «ليبراليي التنك» هذا النقاش لمحاولة تسطيح الصراع ضد المشروع التطبيعي، والتقليل من أهمية الخيانات الثقافية، ومخاطر تدجين وعي النخب والعامة في لبنان والوطن العربي كي تقبل بالعدو كوجهة نظر. كما اندس بين المتضامنين الصادقين مع سحاب الذي كان حتى اليوم قدوة بمواقفه الوطنية، خبثاء يحاولون استغلال هذا الإشتباك بغية الترويج للتطبيع، ويؤبلسون حملة المقاطعة ناعتين عملها الديمقراطي السلمي بـ «الظلامية» و «الارهاب الفكري». ولعل هؤلاء الطفيليين هم الرابح الأكبر من معركة متعثرة باستراتيجيتها وأدواتها وتوقيتها.