تدمير ممنهج لمرفق العدالة: أن تكون محامياً في فلسطين المحتلة
«ما بديش إشي غير إنه أصير محامي». لم يعد في استطاعة سامي، طالب الحقوق، تحقيق حلمه كغيره من طلاب غزة نتيجة حرب الإبادة التي طالت كل أشكال الحياة في القطاع. إذ استهدف الاحتلال بشكل ممنهج كل مرافق غزة ومن ضمنها المرفق العدلي. فطال الدمار والقتل كليات الحقوق وطلابها ونقابة المحامين ومحاميها والمحاكم وقضاتها إلى مراكز الضابطة العدلية ورجالها. ومن غزة إلى الضفة وأراضي الـ 48، النهج واحد بالتضييق والاعتقال لكل محامي فلسطين ومحاربة مهنة العدالة والدفاع عن الحقوق

أما كليات الحقوق، فهي عدة وأهمها جامعة النجاح الوطنية في نابلس وجامعة بيرزيت في رام الله وجامعة القدس أبو ديس في القدس والجامعة العربية الأميركية في جنين وجامعة الخليل في الضفة، وجامعة فلسطين في غزة.
تنقسم نقابة المحامين إلى نقابتين منفصلتين إدارياً ومالياً، الأولى في الضفة والثانية في غزة. ولكلا النقابتين نقيب ونائبان وأمين سر وأمين صندوق. ويبلغ عدد أعضاء مجلس كل نقابة 15 (9 من الضفة والقدس و6 من غزة). ولكل من غزة والضفة وزارة عدل.
وللانتساب إلى نقابة المحامين، يمر طالب الانتساب بثلاث مراحل، امتحان خطي ثم امتحان شفهي يليه تقديم بحث قانوني كآخر مرحلة للتسجيل في النقابة. كما يؤخذ المعدل الجامعي في الحسبان.
قتل واعتقال
ضمانات كثيرة ينص عليها الصك العالمي للمبادئ الأساسية بشأن دور المحامين. لكنها لم تستطع إنقاذ 115 محامياً من الموت في القصف الهمجي الإسرائيلي على غزة. فيما سُجل اعتقال 30 محامياً منذ بدء حرب الإبادة. واستهداف المحامين والحقوقيين ليس وليد اللحظة بل هو نهج للاحتلال الإسرائيلي، لكنه تصاعد بعد السابع من أكتوبر. فمنذ بدء حرب الإبادة، لفتت هيئة الأسرى إلى تعرض الطواقم القانونية العاملة في المؤسسات الحقوقية، وتحديداً من يقومون بزيارة الأسرى وتمثيلهم، لعدد من الإجراءات التي تحول عن تنفيذ عملهم. ومن هذه الإجراءات تعمد إدارة السّجون إعلان حالة الطوارئ لدى وصول المحامي إلى السجن بهدف إلغاء الزيارة بعد أن يكون قد سافر لمسافة طويلة، إضافة إلى المماطلة في إعطاء ردود على طلبات الزيارة. وتعرّض عدد من المحامين لعمليات إذلال وتهديدات خلال تنفيذهم للزيارات.
معاناة محامي الضفة
ممثل اللجنة الفرعية لنقابة المحامين في محافظة قلقيلية المحامي عمرو شواهنه أوضح لـ «القوس» أن «المحامي الفلسطيني كغيره من فئات المجتمع الفلسطيني تأثر كثيراً منذ 7 أكتوبر، سواء على مستوى الأداء والعمل والخدمات أم على مستوى الدخل والمعاملة». فـ «المحامي الفلسطيني حالياً يعتبر عاطلاً عن العمل بنسبة 90% بسبب تعثر الدوام الرسمي في المحاكم والدوائر نتيجة انقطاع رواتب الموظفين، ما أدى إلى نقص في الكوادر بنسبة 50%، وإلى توقف الجلسات». وأضاف أن «إغلاق الاحتلال للطرق واعتداءات المستوطنين على المارة في الطرق الرئيسية التي تربط المدن ببعضها، أدى إلى منع المحامي من التنقل بشكل طبيعي». ولفت شواهنه إلى أن «المحامي في نظر الاحتلال هو مواطن فلسطيني. لذلك تم فرض قيود كبيرة على المحامي، ومُنع كغيره من المواطنين من نشر أي منشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لنقل الصورة الحقيقية أو نعي شهيد أو الوقوف بجانب الأسرى أو تمجيد عمل المقاومة أو أي شيء من هذا القبيل. واعتُقل عدد من المحامين بتهم التحريض ضد إسرائيل وعقوبتها السجن ستة أشهر وفقاً لقانون طوارئ الاحتلال». ونبّه شواهنه إلى نقص الدخل والإيرادات لصناديق النقابة، «فبعد استشهاد عدد كبير من المحامين في غزة واعتقال آخرين في الضفة، زاد الإنفاق من الصناديق لإعانة عائلاتهم، فيما لم يتمكن نحو 40% من دفع رسوم النقابة التي تراوح بين 500 و700 دولار، ولهذا أثر كبير على إيرادات النقابة».
وشدد شواهنه على أن «الاحتلال لا يعترف بأي اتفاقية دولية ولا بأي حقوق إنسان، والمحامي لا يعدّ بنظر الاحتلال صاحب مهنة سامية ورسالة عادلة كباقي المجتمعات، ولا يتمتع بأي حصانة ولا بحرية التنقل للقيام بواجبه تجاه الأسرى والمعتقلين، عدا عن تدمير عدد من المكاتب في الضفة والقدس ووضع محامي القدس تحت الإقامة الجبرية».
وختم شواهنه بأن «رسالتنا لكل محامي العالم أن المحامي الفلسطيني هو في خط الدفاع الأول عن قضية فلسطين. في غزة استشهد 115 محامياً دفاعاً عن أرض فلسطين، ودمرت مباني نقابة المحامين ومباني قصور العدل، ولا توجد الآن محاكم أو مكاتب أو نقابة في غزة».
حق الدفاع ممنوع
وقال المحامي مازن أبو عون المختص بقضايا الأسرى لـ«القوس»، إن «ما من شيء بقي على حاله من حيث المعاملة ومن حيث الأوامر العسكرية التي تتعلق بالمحاكمات. محكمة سالم العسكرية في شمال الضفة الغربية لم تشهد عقد أي جلسة لنحو شهرين، وأُرجئت كل الجلسات غيابياً. حتى هذه اللحظة لم نشاهد المعتقلين بل تتم المحاكمات من بعد عبر نظام video conference». وأشار أبو عون إلى «منع المحامين من النزول إلى مكاتب النيابة ومرافق المحكمة وسكريتارية المحكمة بحجة الخوف على حياة الجنود وأعضاء المحكمة»، إضافة إلى «التغيير الدائم لمواعيد الجلسات وأماكن انعقادها والتحقيق والاستجواب، وكذلك لآليات الدخول والخروج إلى المحكمة للتضييق على المحامين. فحظر وجود المحامين في مرافق المحكمة وحصروا في غرفة انتظار المحامين وقاعة المحكمة، ولم تعد هناك قدرة على التواصل وإدارة الملفات بشكل عملي ومهني».
القوانين لا تطبق على العرب
المحامي في الأراضي المحتلة 48 حسن عبدي، تحدث لـ«القوس» عن «تغير جذري في ظروف عمل المحامي الفلسطيني في دولة الكيان بعد السابع من أكتوبر. فالجهاز القضائي بات يرى فيه عدواً وجبهة مقاومة دائمة، لذلك «المعاملات توضع في الجوارير، وبات القضاة أكثر عدوانيّة وتشدّداً ضد كلّ ما هو عربي. ويتم التعامل معنا بفوقيّة، وهناك تخوّف دائم من الانحياز ضد المحامي العربي وموكّله»، ناهيك بافتعال تعقيدات والمماطلة بهدف تأجيل الملفات، و«يشعرونك كل الوقت بأنك شخصيّة غير مرغوب فيها ويحاولون تخسيرك القضيّة بأي طريقة».
ولفت إلى أنه قبل السابع من أكتوبر، كان يسمح للمحامي بزيارة الأسرى والمعتقلين بعد ترتيب مسبق يأخذ بضعة أيام، ويلتقي 3 و4 أسرى في كل زيارة، وكانت مدة اللقاء مفتوحة وتستمر بضع ساعات. اليوم يستغرق الترتيب للقاء أسابيع، وتقتصر الزيارة على أسير واحد فقط رغم أن الوصول إلى السجن يتطلب سفراً طويلاً». وأوضح أن مدة اللقاء «أقل من ساعة، بمرافقة 4 سجّانين، 2 من جهة الأسير و2 من جهة المحامي، وكثير من الزيارات يتم إلغاؤها في اللحظات الأخيرة، أو يجري خلال اللقاء الإعلان عن حالة طوارئ وهمية لإبعاد المحامي، و«في المدة الأخيرة منع الكثير من المحامين من زيارة المعتقلين والأسرى». أما المحاكمات، فقد «أصبحت صوريّة ولا يسمح للمحامي بالمرافعة على أصولها»، لافتاً إلى أنه «في إحدى المحاكم، كنت أنتظر دوري وشاهدت مشهداً سريالياً لا يُصدّق، إذ استغرقت 9 جلسات 27 دقيقة فقط من دون إحضار المعتقل إلى قاعة المحكمة».
ولفت عبدي إلى أن محامي أراضي الـ 48 «باتوا يعانون من تضييق لم يتعرضوا له سابقاً»، فيما «محامو غزة ممنوعون من المرافعة خارج حدود قطاع غزة. أمّا محامو الضفة الغربية، فعملهم يقتصر في محكمتي عوفر وسالم ويواجهون عراقيل».
وأشار عبدي إلى أن محامي العالم «يدافعون عن حقوق الإنسان ويحملون راية الحرية ولهم مكانتهم المهنية بموجب القوانين المحلية والدولية، غير أن الكيان لا يحترم هذه القوانين ويحاول بشتّى الطرق عرقلة عمل المحامي الفلسطيني والتضييق عليه وعدم السماح له بمزاولة مهنته بحريّة، ومحاولة جعل عمله صورياً».
تدمير الجسم القضائي في فلسطين
يشير تقرير الأمم المتحدة عن الهيكل القضائي في غزة (أعدته مارغريت ساترثوايت المقرّرة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، وإيرين خان المقررة الخاصة المعنية بحرية الرأي والتعبير) إلى قصف الجيش الإسرائيلي في 9 تشرين الأول 2023 مبنى نقابة المحامين الفلسطينيين، ما أدى إلى تدمير أرشيفها الرسمي. وفي 4 كانون الأول 2023، نشر الجيش الإسرائيلي مقطع فيديو يُظهر تفجير مبنى محكمة غزة بالكامل. وأشارت الخبيرتان إلى أنه منذ تشرين الأول 2023، واجه المحامون الفلسطينيون داخل أراضي الـ 48 الذين عارضوا الهجوم الإسرائيلي المستمر على غزة أو تحدثوا دفاعاً عن حقوق الفلسطينيين، مضايقات عدة. كما كانوا موضوع شكاوى قُدِّمَت إلى نقابة المحامين الإسرائيليين بسبب خطابهم العلني.
وفي 12 تشرين الأول، أرسلت نقابة المحامين الإسرائيلية رسالة إلكترونية إلى جميع المحامين المسجلين تفيد بأن اللجنة الوطنية لأخلاقيات المهنة لن تتسامح مع أي محامٍ ينشر محتوى على حساباته الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي يُعتبر «تحريضاً على العنف»، وأن اللجنة ستتخذ إجراءات قانونية بحقّ هؤلاء المحامين.
وفي 18 تشرين الأول ، نشر نائب رئيس نقابة المحامين في إسرائيل على وسائل التواصل الاجتماعي أن لجنة أخلاقيات مهنة المحاماة قدمت لوائح طوارئ جديدة إلى وزير العدل الإسرائيلي، تمنح اللجنة سلطة تعليق عمل المحامين المشتبه في دعمهم للإرهاب فوراً.
الصعوبات التي يعاني منها المحامي الفلسطيني داخل محاكم الاحتلال
• المنع من النزول إلى مكاتب النيابة ومرافق المحكمة.
• عدم تعيين مواعيد جلسات للأسرى.
• تغيير دائم لمواعيد الجلسات.
• حظر تواجد المحامين في مرافق المحكمة.
• اللقاء مع الأسير أقل من ساعة، بمرافقة 4 سجّانين.
• إلغاء زيارات في اللحظات الأخيرة.
• عدم السماح بالمرافعة حسب الأصول.
