- تنعاد عليك يا جادو

- وما الذي تتمنين لي عودته تحديداً!
إهداء إلى مندوبة شركة التأمين الفاقدة لحس الفكاهة. بَكَت وإلى اليوم وهي تعتذر عن طيب التمني لي ببداية العام الجديد وقد تزامن مع آخر جلسة علاج في نهاية عام 2016.
ولَكِنْ
زالَ الألم. لحظة أعلن الطبيب أن الورم لَم يَعُد موجوداً، إمّحى العام الذي مضى بكلمة. نسيته كأنه لم يكن. بنفس البساطة احتلني الخوف مجدداً، حين استفاق من سباته قَبلَ أيام خلت.
تحكي رفيقتي عن أمها التي انفصلت حديثاً عن شريكها السرطان بعد علاقة استمرت لخمسة وعشرين عاماً. دخلت يومها إلى المنزل وجلست مع طفلتيها لتخبرهما عن الفرد الجديد القادم إلى العائلة ليعيش بينهم. «اسمعا، نحن لا نعرف عنه شيئاً بعد لكنه ليس باللطيف. لا أدري كم هو متعب، لكن علينا تحمله. إنّه هنا ولا مفر من التعامل معه». صُدمتُ لأنسَنَتِها المرض، أن تقبل مشاركة حياتك مع ورم يَنهَشُ كُلَّ ما يَنبِضُ فيك. حكيتُ لرفيقتي في المقابل كيف أعددت نفسي بانتظار عودة سرطاني وخطتي للجولة الثانية. فَلسَفتُ المسألة، أنا الملحد والمؤمن المتشدد بالعلم والواقعي بالتعامل مع النتائج، غير المهتم بتحليل أسباب ما زالت مجهولة. «ما بقا تحكي هيك، أصلا ليك شو مِحلَو». أنّبتني بعفوية تداعى معها كل المنطق الذي أحكَمَت به قصة والدتها. رَكبت لارا الطائرة تاركة معي سرّ رحيل الرفيقة الأم، ولم نكن نعلم هي وأنا بالمُستَفَزِ في صدري جراء حديثنا. فَصحا...
مَلَلتُ!
مَلَلتُ. بهذه الكلمة فقط رسمتُ حدود ما أشعر به. هي أقل من لحظة حين قرأت عن تضخم الغدد اللمفاوية تحت خانة «الموجودات» في التقرير المخبري الروتيني حتى عاد كل شيء.
ألم غرز الإبر في الساعدين والأرجل حين تُستهلَكُ كل العروق. ألم الشعور بكل خلية فيك. كل خليّة. قلوب الجهاز الطبي باردة تفعل بك وأنت تتمنى لها في السر حصة من ورمك. الصوت الرتيب لماكينة المصل ينخُرُ في الروح كما تنخر كل شعرة كالسكين حين تسقط. مهما قصصت سَيُدميكَ سقوطها، شعرة شعرة. فقدان حاسة التذوق حتى يصبح لخشب الطاولة طعم الملوخية. لا طعم. إنه العدم. الرائحة! تَحتلك فتحولك كلباً يَشتَمّ رائحة المارة في الشارع وأنت على الشرفة في الطابق الثاني. إيه والله كلباً حتى تعوي الكلاب دون سبب كلما وُجدتَ قربها. الوقت. حين يمغط في سكون الليل، فتَخَطّي الثواني والقفز إلى دقائق لاحقة أضغاث أحلام تقارعها. تحسب أن الصباح لن يطلع. سترتعب لشكلك أنت القبيح المتصالح أصلاً مع جسدك. مذعوراً أحطم جميع المرايا وأسَلّم بالحب الآتي من أعينهنَّ. والـ... يكفي!
مَلَلتُ!
ثلاثة أعوام غير مكتملة لم تكن كافية للتعافي وبناء كل شي من الصفر. فحين تُثمِر مصلحة أعمال منشأة حديثاً رغم كل الصعوبات، عليك أن تتوقف. حين تتعثر بالحُبَ مجدداً، تسقيه بتأنٍ مشذباً شوائب العلاقة السابقة ورعايتك للرفيق الصغير الذي أنتجته. حين تظن لبرهة أن الفرح الممكن دائماً وأبداً أتى من جديد، أوقف الشعور! ستذبُل. «مع انو خلصنا أنا واياك مفروض تنساني وانا انساك... من كتر القهر انا واياك ما بدي انقهر مرة جديدة»... لأن الحزن بدو جلد، كما قالت لي الحلوة ذات يوم. ولكن لأن كل الكلام قبل كلمة لكن لا قيمة له، فقد فرحت رغم كل شيء. بمرافقة طفلي إلى جميع نشاطاته متكئاً على العكاز واضعاً كمامة على وجهي، وضاحكاً لمزاحه مع أترابه عن تنكري. إنما يزيل بذلك عنه حرجاً لمظهر والده وهو غير المدرك لكنهه. بعد الـ «لكن» تعلمت كيف أكون جيداً. عشت وحيداً مع أفلامي وكتبي وأحلام اليقظة وفانتاسمات مارستها بلذة آخر يوم في الحياة. ثملت بأصدقاء انتقيهم بمزاجية متبدلة. أعبّر عن حبي لهم ولا أنتظر جواباً أو ردّ فعل. نجتمع على حجة من أحبَّ التفاحة. ولا أحد يحبها مثله. هم لا يدرون. فهو يقضمها. يغوينا بها لنرتمي على البحر فجراً بعدما قررنا التَنَحنُح مع الريّس ولون الضحى يغطي استهبالنا: «مين الصح؟ هم الذاهبون إلى العمل أم نحن الساهرون في شمس الصباح!»
مَلَلتُ... ولكن، تباً لي!