لا شك في أن السينما ـ وقبل أي شيء آخر ـ أداة عظيمة لإيصال الأفكار. على مرّ التاريخ، كانت إمكاناتها مصممة لإغواء الجمهور بالوتيرة والقوة والفعالية التي لم يتم التوصل إليها بأي وسيلة اتصال جماهيرية أخرى. الكلمات، الموسيقى والصور المختلطة تعطي تجربة ذات تأثير واقعي وعاطفي هائل، يمكنها أن تقنعنا بسهولة فريدة. تعتمد السينما على جمهورها وكيفية استجابته للموضوعات والأفكار التي يتم تقديمها على الشاشة. مع المهارات السينمائية والتقنيات الصحيحة، تصبح السينما وسيطاً قوياً، يمكن أن تلهم الشعوب وتؤثر على التغيير. لذلك، ليس مستغرباً أن يُستخدم هذا الشكل الفني على نطاق واسع من قِبل الحكومات في جميع أنحاء العالم للسيطرة على الجماهير. هذا النوع من السينما يُطلق عليه تسمية «سينما البروباغندا».

البروباغندا (سينما دعائية) تعني نشر الرسائل التي يكون محتواها أيديولوجياً بطبيعته، بهدف مشاركة الجمهور في الالتزام أو الإقناع أو التعاطف أو استدراج سلوكيات أو مواقف معينة. قد يشير المحتوى الأيديولوجي إلى قناعات سياسية أو دينية أو أخلاقية، يتم التعبير عنها بشكل عام على أنها نُسخ مبسطة ومبالغ فيها للواقع الحقيقي أو المرغوب، وتكون مزيجاً من الحقائق والمثل العليا والتطلعات.
ببساطة، البروباغندا هي التلاعب بالمعلومات التي يتم اختيارها بعناية لتأثيرها السياسي. من أجل التأثير على الرأي العام؛ لا بد من أن يكون موضوع الفيلم دعائياً مسلياً ومعروفاً للجميع. خلال فترات الحرب والثورات والتغييرات الاجتماعية والاضطرابات الدولية، ازدهرت صناعة الأفلام الدعائية بسبب رعاية الدولة ودعمها، وظهرت بعض أعظم الأفلام في تاريخ السينما.
هنا لا بدّ من التوضيح أن السينما السياسية تختلف عن البروباغندا. يعطينا البريطاني كين لوتش مثلاً عن السينما السياسية الاجتماعية في أعماله التي تركز على مشاكل الطبقات العاملة بعين يسارية، غير أنها ليست أفلاماً دعائية سياسية مفتوحة. يمكن قول الشيء نفسه عن سينما الإيطالي بيار باولو بازوليني. على الرغم أن أفلامه مقدمة بوضوح من منظور شيوعي، إلا أنه عرف كيف يقدم ــ أولاً وقبل أي شيء ـ السينما الاجتماعية بحساسية يمليها التفسير الشخصي للشيوعية. هذا النوع من السينما يندرج تحت خانة سينما المؤلف: تقتصر أيديولوجية الفيلم على عقل مؤلفه وشخصيته، على عكس السينما الدعائية التي ترعى المُثل السياسية للدولة بأكملها؛ سينما النظام ووسيلة الدعم السياسية له في المقام الأول. خاضت سينما البروباغندا الحروب نفسها التي خاضتها الأنظمة الكبرى، ففي جميع البلدان المشاركة أو المحاربة، أُنتجت أفلام، بعضها حديث للغاية، يرفع القيم القومية، ذو أهداف وأغراض واضحة:
* تبرير وإضفاء الشرعية على موقف الحكومة في الصراع.
* الفوز أو الحفاظ على الدعم الشعبي.
* استبعاد وإدانة المعارضين.
* رفع المزاج العام عندما تكون الظروف صعبة وغير مؤاتية.
* الخلط بين الحقائق التاريخية وتقديم القصة من وجهة نظر واحدة.
استعملت أكثرية الأنظمة الشمولية أو الديكتاتورية السينما كبروباغندا لتقديم الرسائل المذكورة أعلاه مثل الاتحاد السوفييتي، وألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية. ولكن البروباغندا ليست حصراً على هذه الأنظمة، فالبروباغندا كانت ولا تزال من أهم أسلحة أميركا الديمقراطية وغيرها من الدول.

الاتحاد السوفييتي بين السينما والشيوعية
استمرت ثورة أكتوبر التي وضعت حدّاً لسياسات الحكومة الروسية المؤقتة، وتجربة روسيا المأساوية في الحرب العالمية الأولى حتى وفاة الزعيم الثوري لينين في العشرينيات وأكملت إلى الثلاثينات. عاش الاتحاد السوفييتي خلالها عشر سنوات من التكيف والتطبيع بحرية فنية عالية جداً، وإن كانت محصورة في حدود الأيديولوجيا الشيوعية. إنها الفترة الأكثر ازدهاراً للسينما الروسية التي تختبر تجاربها الطليعية وتخترع الابتكارات غير العادية في لغة السينما. اتجه جميع صانعي الأفلام في تلك الفترة نحو الاحتفال بروسيا الجديدة. نُقلت الثورة إلى الشاشة الكبيرة بأفضل الطرق التعبيرية. فجّر سيرجي آيزنشتاين الانتفاضة بفيلم «إضراب» (١٩٢٤) الذي أثنى على جهود العمال الروس وهدفهم النبيل والذين قتلوا من قبل الجنود لعدم ذهابهم إلى المصنع. عاد من جديد لتمجيد الجماهير المتمردة ضد انتهاكات النظام الارستقراطي في تحفته «المدرعة بوتمكين» (١٩٢٥)، مذكراً بالأحداث الحاسمة للانتفاضة الشعبية التي مثلت الثورة الشيوعية. واحتفل عام ١٩٢٧ بالذكرى العاشرة للثورة بفيلم «أكتوبر: عشرة أيام هزت العالم». أنبأتنا الطليعية السوفييتية بعالم اشتراكي مثالي يبرز الأمل في المستقبل، وقدم دزيغا فيرتوف مثالاً واضحاً عمّا يشبه الدعاية الأيديولوجية السوفييتية في السينما بفيلم «كينو أي» عام ١٩٢٤. عام ١٩٣٤، توطد النظام، بدأ تاريخ روسيا الاشتراكية الجديدة لجوزيف ستالين، وضع مبدأ توجيهياً جديداً ليطبق على جميع الفنون بما في ذلك السينما، إنها نهاية التجريبية والطليعية. على السينما أن تكون بسيطة وواقعية ومتاحة لجميع الناس، أن تبقى مشاركة في القضية الاشتراكية وتدافع عن مبادئ الثورة ضدّ كل عدو. ظهرت الواقعية الاشتراكية في السينما، وأفضل مثال على ذلك هو فيلم Chapaev عام ١٩٣٤ لجورجي وسيرجي فاسيليف الذي روى قصة حقيقية لبطل سابق في الجيش الأحمر. حقق الفيلم نجاحاً مذهلاً وسرعان ما أصبح رمزاً للسينما الروسية الجديدة. عام ١٩٤٤، أعاد آيزنشتاين التاريخ الروسي بنجاح شعبي كبير في فيلم «إيفان الرهيب». استمرت الحال على ما هي عليه في السينما الروسية؛ أسلوب سينمائي جامد ومخطّط، لا يسمح بأي اختلافات على الأقل حتى ظهور المخرج أندريه تاركوفسكي، ولكن هذه قصة أخرى.

الفاشية الإيطالية: «السينما أقوى سلاح للدولة» (بينيتو موسوليني)
دخلت إيطاليا في الفترة الفاشية، أدرك موسوليني تماماً إمكانات الدعاية التي توفرها التقنيات الجديدة، أيد على الفور تطوير السينما. عام ١٩٢٤، أنشئ «معهد لوس» لإنتاج الأفلام الوثائقية. عام ١٩٣٢، أسس «مهرجان البندقية السينمائي»، أول مهرجان سينمائي في العالم. عام ١٩٣٦، تأسست استوديوهات «سيني سيتا». انتقلت دعاية موسوليني إلى الشاشة الكبيرة، إلى درجة أن فيلم Il grido dell›Aquila (١٩٢٣ ) لماريو فولب رفع موسوليني إلى رتبة البطل الوطني. في فيلم «القميص الأسود» (١٩٣٣) لجيوفاكينو فورزانو، يظهر أحد المحاربين القدامى في الحرب العظمى وقد استعاد ذاكرته وعاد إلى وطنه، في الوقت الذي كان فيه موسوليني يعمل على حملة سياسية لاسترداد قدامى المحاربين. أما The old guard لأليساندرو بلاسيتي، فهو فيلم واضح للدعاية الفاشية. وقد حافظ جميع أبطال السينما الإيطالية في ذلك الوقت على رمزية قوية تربطهم بأسطورة موسوليني.

كان هتلر ووزير الدعاية جوزيف غوبلز معروفين بأنهما سينيفيليان


اقتصرت سينما الدعاية المباشرة التي دامت عشرين عاماً، بشكل كبير، على الفيلم الإخباري. مئة فيلم تقريباً كانت فقط بروباغندا مباشرة. إن الفرق بين سينما الاتحاد السوفييتي والسينما الإيطالية الفاشية هو الأسلوب الأقل التزاماً أيديولوجياً، فإيطاليا كانت تسعى لإنتاج الأفلام الترفيهية. إنها فترة ما يسمى بسينما الهواتف البيضاء: الكوميديا العاطفية في بيئة برجوازية.

هوليوود الأوروبية: ألمانيا النازية
على عكس السينما الإيطالية؛ تمكنت ألمانيا في عهد جمهورية فايمار من التعبير عن الطليعية مع أهم المخرجين في تاريخ السينما، من مورنار إلى بابست، ومن روبرت وين إلى فريتز لانغ. دفع صعود هتلر إلى السلطة بالمخرجين لمغادرة أوروبا إلى أميركا بصحبة ممثلين نجوم كبار. كانت صناعة الأفلام التي وجدها الفوهرر بين يديه تمرّ في أزمة عميقة. كان هتلر ووزير الدعاية جوزيف غوبلز معروفين بأنهما سينيفيليان. هكذا، دُمجت جميع شركات الإنتاج في ذلك الوقت وأنشئ UFI، وحافظ الرايخ الثالث على التحكم المباشر بالإنتاجات السينمائية. وهنا بدأ نظام جديد ينافس هوليوود ولكن بيدي هتلر، حتى إن بعض الممثلات وجدن أنفسهن مضطرات للذهاب إلى سرير غوبلز. كانت البروباغندا النازية أكثر تطرفاً من أي نظام آخر. كان الهدف في المرحلة الأولى الحصول على إجماع الحزب في انتخابات متنازع عليها وهدم صورة ألمانيا في جمهورية فايمار. يصور فيلم Hans wetmar عام ١٩٣٣ لفرانز وانزلر برلين القذرة، حيث تُقدم البيرة الإنكليزية، وتغني فرق الجاز السوداء، وتعرض الأفلام الهوليوودية مع الشيوعيين المستعان بهم للتخطيط لغزو البلاد.
في المرحلة الثانية، بمجرد توحيد قوتها وسيطرة هتلر المطلقة، تحولت السينما النازية إلى صورة يتم نقلها إلى بقية العالم، من فيلم «انتصار الإرادة» (١٩٣٥) لليني رفنستال (فيلم وثائقي عن مؤتمر الحزب في نورمبرغ يبرز فكرة قيام دولة قوية ومنظمة) إلى «أولمبيا» (١٩٣٦) الفيلم الهائل حول أولمبياد برلين. المرحلة الثالثة هي الأصعب والأكثر تطرفاً: بدء الحرب وإبراز العدو كشيطان كما في النسخة الألمانية لفيلم «القميص الأسود».
هوليوود والشراكة مع وكالة الاستخبارات
كان للسينما في أميركا حرية النقد رغم أن البروباغندا بدأت مع ظهور الأفلام في هوليوود واستُعملت من قبل السلطات. خلال الحرب العالمية الأولى والحروب اللاحقة التي خاضتها أميركا، كانت السينما تحث الرجال على التطوع في الجيش. وقد كشفت تقارير قانون حرية المعلومات عن شراكة هوليوود مع برامج البنتاغون ووكالة الاستخبارات الأميركية. وأظهرت الوثائق للمرة الأولى أن الحكومة الأميركية عملت وراء الكواليس على أكثر من ٨٠٠ فيلم سينمائي وألف فيلم تلفزيوني.
كان للسينما الدعائية تأثير كبير على المجتمعات والأنظمة. قوة شاركت في الحروب ودمرت أفراداً وسلطات. ولا تزال البروباغندا تستعمل اليوم بتأثير أقوى بكثير بعدما أصبحت الأفلام في متناول الجميع على بعد كبسة زر فقط.