نفاق الغرب وإعلام الرجل الأبيض

الإعلام الغربي الذي تجاهل مذبحة تُرتكب في غزّة ولبنان طوال عام على التمام والكمال، بالإضافة إلى ثمانية عقود من الاحتلال والاضطهاد سبقته، لا بل تواطأ على ارتكابها، عاد فجأة إلى «إنسانيّته» في الذكرى السنوية الأولى على عملية «طوفان الأقصى». في السادس من تشرين الأوّل 2023، نشرت منظّمة DCI-P تقريراً عن كون العام «2023 الأكثر دمويّةً لأطفال فلسطين». كان ذلك قبل بدء الحلقة الأحدث من الإبادة الجماعية. لكن في الغرب، يبدأ التاريخ في اليوم التالي، فيما لا تفتأ حكوماته تحلم باليوم التالي.
هكذا، حوّل الإعلام الغربي الذكرى إلى ما يشبه ذكرى 11 أيلول 2001، مؤكّداً على أنّ حياة مستعمر أبيض واحد بالنسبة إليه أهمّ من حياة آلاف المشرقيّين أصحاب الأرض. راح ـ بمختلف جنسيّاته وألوانه ــ ينعى «الضحايا»، ويأخذ «السكوبات» من أهاليهم، ويعيد وصف العملية بأنّها «إرهابية»، سالخاً إيّاها عن سياقها التاريخي والظرفي والسياسي والاجتماعي، ومتجاهلاً تماماً أنّ العملية التي أتت في محاولة لكسر الاحتلال راح ضحيّتها مستوطنون بنيران «جيش» كيانهم الذي يتّبع عقيدة عسكرية تسمّى «توجيه هنيبعل». وهو ما أكّدته تقارير عدّة طوال السنة الماضية بما في ذلك الإعلام العبري. قلّة قليلة فقط من الوسائل الإعلامية الغربية، ولا سيّما الأقرب إلى اليسار، تناولت الإبادة الجماعية في غزّة، رغم أنّ تغطيتها لا تقترب من حجم الإبادة التي لم تعطها حقّها يوماً أساساً، فيما خصّصت ليوم واحد (7 أكتوبر) أضعاف ما خصّصته لعام كامل من الإبادة الجماعية!
وكما عوّدنا الإعلام الأميركي، فإنّه لا يكتفي فقط بالتعتيم على جرائم «إسرائيل» التي لم تترك أطفالاً ولا نساء ولا مسعفين ولا أطبّاء ولا صحافيّين ولا منظّمات إنسانية ودولية، وصولاً إلى الصفاقة المتمثّلة في تجريم «الأونروا» وحظر الأمين العام للأمم المتّحدة من دخول الأراضي المحتلّة، بل يضع هذا الإعلام نفسه جنديّاً بتصرّف آلة الحرب الصهيونية.
في العام الماضي، افتُضح أمر كتّاب وصحافيّين كثر لديه تبيّن أنّ لهم ارتباطات بمؤسّسات كيان الاحتلال، وحاكوا الأكاذيب، على رأسها أكذوبة الأطفال الأربعين مقطوعي الرأس التي برّرت المجزرة الإسرائيلية في ما بعد. كما طُرد صحافيّون كثر من مؤسّساتهم بسبب موقفهم الرافض للإبادة، واستقال آخرون وأبرزوا أدوار مؤسّساتهم في دعم سردية الإبادة. والواقع يبقى أنّ كلّ ما سمعناه وكتبناه مجرّد غيض من فيض ممّا في أروقة هذه المؤسّسات، فيما ينضمّ جزء كبير من الإعلام العربي واللبناني إلى هذا المجهود.
وبالعودة إلى الإعلام الأميركي، فقد اختار توقيت التصعيد على لبنان ومجدّداً على شمال غزّة، لبثّ سخافاته وتغطية الإبادة من جديد. فكما طغت العام الماضي أخبار المتحرّش بالأطفال صديق النخبة الحاكمة الأميركية جيفري إيبستين تغطيةً للمجزرة الإسرائيلية، عاد وقام بالأمر نفسه خلال أخبار المتحرّش الآخر الموسيقي بي ديدي. هذه الاستراتيجية لطالما اعتمدها الإعلام الأميركي لإلهاء الرأي العام عند الأحداث المفصلية، وخصوصاً تلك التي تلعب حكومته دوراً فيها. فيما كانت الإدارة الديمقراطية ترسل المليارات الثمانية إلى «إسرائيل» لإكمال همجيّتها، ومن ثمّ بضعة ملايين «إغاثية» إلى لبنان لإسكاته تحت دويّ القنابل الأميركية، كانت ولاية كارولينا الشمالية تغرق في إعصار «هيلين»، فيما بدت إدارة الإبادي بايدن وشريكته بالجريمة كمالا هاريس غير مبالية إلى حدّ لم تنفع الاستراتيجية الإعلامية الآنفة في حمايتهما من شرّ الانتقادات. تذمّر دافعي الضرائب بات أكبر من أيّ «استساغة» لديهم لـ«إسرائيل»، ولو كان الكيان في قلبهم، إلّا أنّ همّهم بات إبقاء هذا القلب ينبض. أمّا على الضفّة المقابلة من المحيط، في لبنان، إعلام تعلّم الدرس جيّداً؛ أفيخاي ينشر خرائط لمبان ملاصقة تماماً لمحطّات محروقات، و«جيشه» يشنّ قنابل فوسفورية وفراغية واليورانيوم المخضّب المحرّم دوليّاً، ثمّ الإعلام اللبناني يصيح: انظروا المفرقعات، إنّها مخازن أسلحة!
