Atrocity Inc: هكذا سوّقت «إسرائيل» لإبادة غزّة
بعد فيلم «الجزيرة» الذي وثّق بالدلائل كل جرائم الحرب في غزّة لاستخدامه مستقبلاً في التحقيق الدولي، ها هي منصّة «ذا غرايزون» الأميركية تنشر عملاً آخر عن الأكاذيب التي بثّتها آلة الحرب الصهيونية عن عملية «طوفان الأقصى»

بعد الوثائقي (جرائم حرب في غزة) الذي نشرته «الجزيرة» بالإنكليزية لتوثيق جرائم الحرب في غزّة بالدلائل الدامغة المفيدة في التحقيق الدولي، ها هي منصّة «ذا غرايزون» الأميركية تنشر وثائقيّاً عن الأكاذيب التي بثّتها آلة الحرب الصهيونية عن عملية «طوفان الأقصى»، أيضاً مع إثباتات دامغة، وبعضها اعتمد على مصادر إسرائيلية رسمية كذّبت البروباغندا الصهيونية نفسها.
تحت عنوان « Atrocity In: كيف تسوّق إسرائيل تدميرها غزّة» (Atrocity Inc: How Israel Sells Its Destruction Of Gaza)، يسرد الصحافي الاستقصائي الأميركي ماكس بلومنتال تفاصيل يوم 7 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023 مع كلّ ما رافقه من اتّهامات لحركة «حماس» تبيّن بطلانها مثل قطع رؤوس أربعين طفلاً، واغتصاب النساء، تبريراً لحرب الإبادة الوحشية على القطاع المحاصر.

يبدأ الوثائقي (يمتدّ على ثلاثة أرباع الساعة) بعرض لمشهد الإعلام الغربي يوم قرّر بشكل جماعي تبنّي كلّ هذه الأكاذيب، مردّداً إيّاها بطريقة ببّغائية. يمكن استنتاج الكذب حتّى قبل الغوص في مصادر الأكاذيب، إذ إنّ كلّ وسيلة إعلامية تغيّر في قصص «الضحايا» المفترضين بحسب خيالها. ويعيد الوثائقي كذبة الأطفال الأربعين إلى الصهيوني اليميني المتطرّف يوسي لانداو الذي يدير حملات استيطان غير قانوني في الضفّة الغربية، وهو مسؤول المنطقة الجنوبية في منظّمة «زاكا» التي سبق أن برز ارتباطها بالكذبة الآنفة («الأخبار» 4/3/2024). وينشر الوثائقي أحد التصاريح الإعلامية للانداو إذ أكّد أنّه «استخدم خياله» لتوصيف قصص مزعومة لجثث مستوطنين شملت ادّعاءات مثل قطع الرؤوس والأطراف وفقء العيون ووضع طفل في الفرن وغيرها الكثير من أكاذيب من نسج الخيال تُظهر سادية مطلقيها. وتأكيد عدم صحّة هذه الأكاذيب أتى من السلطات الإسرائيلية نفسها، إذ بيّنت الإحصاءات أنّ طفلة واحدة فقط فقدت حياتها في السابع من تشرين الأوّل، عن طريق الخطأ بعدما اخترقت رصاصة باب منزلها.
كما يؤكّد الوثائقي اتّباع «الجيش» الإسرائيلي «توجيه هنيبعل» في ذاك النهار، وهو عقيدة عسكرية صهيونية تقضي بإطلاق النار على آسري جنوده، ولو أدّى ذلك إلى مقتل الجنود، وذلك تفادياً لاستخدامهم ورقة قوّة من قبل الأعداء. ويستشهد الوثائقي بتقرير لصحيفة «هآرتس» العبرية (7/7/2024)، بالإضافة إلى مشاهد من رادارات طائرات الاحتلال نفسه وهي تقصف مجموعات من الأشخاص تشمل عناصره وعناصر المقاومة، من دون تفرقة. كما يعرض شهادات لمستوطنين يقولون إنّ الجيش قصف عليهم. من هنا، يذهب الوثائقي إلى إظهار كيف أنّ أكاذيب «خيالية» مماثلة وصلت إلى صحيفة «نيويورك تايمز» وقناتَي CNN و«فوكس نيوز» ثمّ ردّدها وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن ثمّ الرئيس جو بايدن الذي ادّعى رؤيته صور أطفال مقطوعي الرأس، قبل أن يعود البيت الأبيض وينفي هذا الموضوع، وكذلك فعلت الوسائل الإعلامية بعدما كان قد فات الأوان.
وبعد اشتداد مشاهد الإبادة الإسرائيلية في غزّة، عدّلت نسبة كبيرة من قاعدة الحزب الديموقراطي موقفها من الحرب وباتت تطالب بوقف لإطلاق النار، فما كان من لوبيات صهيونية إلّا أن نظّمت وقفة أمام مقرّ الأمم المتّحدة في نيويورك، مستخدمةً ممثّلات أخذن دور نساء تعرّضن للاغتصاب، في إشارة إلى أنّ «حماس» اغتصبت النساء خلال «طوفان الأقصى»، ومحاولة جديدة لتجديد الإبادة الجماعية. وظهرت الرئيسة التنفيذية السابقة للعمليّات في «ميتا» الصهيونية شيريل ساندبيرغ لتدّعي اغتصاب المقاومين النساء، بالإضافة إلى تصويرها حلقات وثائقية عن جرائم مزعومة تدّعي أنّ المقاومة ارتكبتها. مجدّداً، ثارت ثائرة الإعلام الغربي، وعادت القصص «الخيالية» لتملأ الصفحات والشاشات، رغم عدم وجود دليل على أيّ حوادث اغتصاب حتّى لدى السلطات الإسرائيلية. حتّى إنّ شقيقة إحدى المستوطِنات التي ادّعى الإعلام أنّها تعرّضت للاغتصاب، كذّبت هذه الادّعاءات. ويثير الوثائقي لامعقولية الادّعاء، إذ كسر المقاومون السياج الذي يحاصر قطاعهم بهدف خطف جنود ومستوطنين لمبادلتهم بأسرى فلسطينيّين، لذا لا وقت لديهم للتفكير حتّى في الاغتصاب، عدا عن أنّهم يقومون بكلّ ذلك تحت نيران الاحتلال المتواصلة. ويعرض الوثائقي مقاطع من الإعلام الإسرائيلي يرد فيها أنّ كثيراً من الجرائم المزعومة للمقاومة غير صحيحة، والتضخيم كان بهدف استدراج استعطاف داعمي الكيان، وحرب المعلومات توازي الحرب العسكرية والسياسية. كما يعرض شهادات مزعومة لفلسطينيّين حول قيامهم بالاغتصاب، مبرزاً أنّها شهادات مزوّرة حصلت تحت التهديد، فيما يقوم جنود الاحتلال باغتصاب الفلسطينيّين وحتّى تصوير ذلك. وهنا يصل الوثائقي إلى تظاهر المستوطنين خارج معتقل «سدي تيمان» لمنع السلطات من اتّخاذ أيّ إجراءات بحقّ الجنود الذين ارتكبوا الاغتصاب، مدعومين بوزير الأمن القومي إيتامار بن غڤير.
وكما وثائقي «الجزيرة»، يعرض عمل «ذا غرايزون» مقاطع نشرها جنود العدوّ وهم يرتكبون الجرائم في غزّة وينسفون المنازل على أنغام الموسيقى، بالإضافة إلى مقاطع تستهزئ من الفلسطينيّين عبر السخرية من مظاهرهم وأوضاعهم، وهدر المياه والكهرباء عمداً بعدما قُطع كلاهما عن القطاع، وهو ما تعهّد به وزير الحرب يوآڤ غالانت قبل أن يصف الغزّاويّين بأنّهم «حيوانات بشرية».
هذا الإنتاج هو مسمار ثانٍ يُدقّ في نعش آلة الكذب الصهيونية، ويمكن استخدامه أيضاً كدليل في حال التحقيق الدولي لما يجمعه من معلومات وفيرة مع إثباتات، لا تتّسع جميعها هنا ومن الأجدى مشاهدتها بالصورة الحيّة. ويُنهي بلومنتال الوثائقي بمشاهد لمحاولته أخذ المقابلات من مختلف المسؤولين الأميركيّين، سائلاً إيّاهم عن الإبادة في غزّة وعدد الأطفال الشهداء الذين يعتبرونه خطّاً أحمر وكمّية الأموال التي يتلقّونها من «آيباك» وتأثير ذلك على مواقفهم. إلّا أنّ أيّاً منهم لا يجيب، بل يفضّلون الهروب، فيما يتفرّج الصحافيّون الآخرون المدجّنون منذهلين!
Atrocity Inc
متوافر على يوتيوب
