الجزائر | في خطابه الذي انتظره الجزائريون أمس، خالف رئيس الأركان، الفريق أحمد قايد صالح، الكثير من الأخبار التي كانت تتردد بشأن قبوله بحلّ سياسي يزيل رموز النظام السابق من الواجهة، وفي مقدمتهم رئيس الدولة المؤقت عبد القادر بن صالح، والوزير الأول نور الدين بدوي وطاقمه الحكومي، ويفتح المجال أمام تشكيل مجلس رئاسي توافقي يدير البلاد في المرحلة الانتقالية، من أجل ترتيب شروط تنظيم انتخابات رئاسية نزيهة. على العكس من ذلك، أبدى قايد صالح دعمه الصريح لبن صالح، وذهب إلى حدّ وصف السياسيين الرافضين للتعامل مع الأخير في إطار المشاورات التي أطلقها بأنهم من «الأصوات التي لا تبغي الخير للجزائر بسبب تعنتها وتمسكها بذات المواقف المُسبقة»، وبأنهم «يريدون الانسداد الذي ستكون له آثار وخيمة على الاقتصاد الوطني وعلى القدرة الشرائية للمواطنين». وهو ما ولّد خيبة أمل لدى العديد من الأحزاب السياسية والشخصيات التي اتخذت موقفاً علنياً برفض رئاسة بن صالح، ومقاطعة كل ما يصدر عنه، في مقابل إشادتها بمواقف قائد الجيش على أمل اتخاذه قرارات تتيح مخارج سياسية تلبي مطالب الحراك.

ولم يكتفِ قائد الجيش بذلك، بل اتهم «هذه الأصوات والمواقف المتعنتة» بأنها «تعمل على الدفع بالبلاد إلى فخ الفراغ الدستوري، والدخول في دوامة العنف والفوضى، وهو ما يرفضه أي مواطن مخلص لوطنه، ويرفضه الجيش الوطني الشعبي قطعاً». ثم خاطب من اتهمهم بعرقلة الحلّ بالقول: «لهؤلاء نقول إن الشعب الجزائري سيد في قراراته، وهو من سيَفصل في الأمر عند انتخاب رئيس الجمهورية الجديد، الذي تكون له الشرعية اللازمة لتحقيق ما بقي من مطالب الشعب المشروعة». وتشير الجملة الأخيرة من خطاب الرجل القوي في النظام الجزائري حالياً، إلى أن المؤسسة العسكرية تدعم إجراء الانتخابات الرئاسية في تاريخها المحدد يوم 4 تموز/ يوليو، وهو نفسه ما يعمل عليه رئيس الدولة المؤقت، ما يؤكد وجود تنسيق واتفاق بينهما في كل القرارات التي يتخذها الأخير. كذلك إن فكرة «الفراغ الدستوري» التي تحدث عنها قايد صالح تصبّ في السياق عينه، وتُشير بوضوح إلى أن المؤسسة العسكرية ترفض انتهاء فترة الرئيس الحالي بعد ثلاثة أشهر من دون أن يسلّم مقاليد الحكم لرئيس منتخب كما تنص على ذلك المادة 102 من الدستور، وهذا في حدّ ذاته يمثل رفضاً لكل طروحات المعارضة، حتى المعتدلة منها، في شأن تطعيم الدستور الحالي، الذي يتيح مخارج ضيقة، بحلول سياسية تماشياً مع الحالة الثورية التي يعيشها الشارع.

تجري حالياً حملة اعتقالات وتوقيفات تمسّ كبار رجال الأعمال بالبلاد


كما حرص قائد الأركان على إظهار دعمه للحكومة الحالية بقيادة الوزير الأول نور الدين بدوي، المختفي في مكتبه منذ نحو 40 يوماً. وقال تعليقاً على حملة طرد الوزراء من المحافظات التي يزورونها، إنها «ظاهرة غريبة تقوم على عرقلة عمل مؤسسات الدولة ومنع المسؤولين من أداء مهماتهم، وهي تصرفات منافية لقوانين الجمهورية لا يقبلها الشعب الجزائري الغيور على مؤسسات بلده، ولا يقبلها الجيش الوطني الشعبي الذي التزم مرافقةَ هذه المؤسسات وفقاً للدستور». ويُصادم هذا الخطاب مباشرةً مطالب الحراك الشعبي الذي خرج في الأسابيع التي تلت استقالة الرئيس بوتفليقة يوم 2 نيسان/ أبريل الماضي، مُطالباً برحيل من سمّاهم «الباءات الثلاثة»، وعلى رأسهم بن صالح وبدوي. ولا يُتصوّر أن يُغير خطاب رئيس الأركان، على رغم شعبية الأخير، من واقع الرفض لرموز النظام السابق في تسيير المرحلة الانتقالية؛ إذ وصلت حالة القطيعة بينهم وبين المواطنين درجة عالية، لدرجة أن أي مسؤول اليوم لا يستطيع الخروج للشارع. لذلك، تثار مخاوف حقيقية اليوم من أن يؤدي هذا الواقع إلى انسداد كلي، وبالتالي تدهور الأوضاع في الأسابيع المقبلة. كذلك، يطرح خطاب الفريق قايد صالح، تساؤلات عن التقارير التي تصل قيادة المؤسسة العسكرية في شأن حقيقة الوضع. فالقضاة والعديد من رؤساء البلديات باتوا يرفضون الانخراط في مسار الانتخابات الرئاسية، كذلك فإن الأحزاب السياسية والشخصيات المعروفة لم تتقدم لهذه الانتخابات، وهي معطيات تدفع إلى الاعتقاد باستحالة تنظيمها.
لكن، على رغم الضبابية السياسية التي تشوب المشهد، لا تزال بيد قيادة الجيش أوراق قوية بإمكانها استمالة الشارع، وعلى رأسها قضايا مكافحة الفساد، حتى وإن كانت القوانين لا تسمح لها بالتدخل في قضايا العدالة. إذ، بموازاة دعوات رئيس الأركان المتكررة لمحاسبة الفاسدين، تجري حالياً حملة اعتقالات وتوقيفات تمسّ كبار رجال الأعمال بالبلاد. ومن بين الذين عُرضوا على وكيل الجمهورية، يبرز الإخوة كونيناف (اسم العائلة)، للاشتباه في تورطهم في «استغلال النفوذ للحصول على مزايا غير مستحقة وتحويل عقارات وامتيازات عن مقصدها». ويُعرف الإخوة كونيناف بعلاقتهم القوية بشقيق الرئيس السابق، والتي خوّلتهم تكوين ثروات طائلة في مجال الإنشاءات والاستيراد والتصدير وتصنيع بعض المواد. ويُشبه وضع عائلة كونيناف، رجل الأعمال علي حداد الموجود حالياً في السجن، والذي كان على علاقة قوية مع شقيق الرئيس، مكّنته من الحصول على عدد هائل من الصفقات العمومية.
لكن أكثر ما أثار الجدل في حملة «مكافحة الفساد» الحالية، إيداع أغنى رجل في الجزائر، يسعد ربراب، السجن المؤقت، بعد التحقيق معه في قضايا تخصّ «تورطه في التصريح الكاذب المتعلق بحركة رؤوس الأموال من الخارج وإليه، وتضخيم فواتير استيراد». وجاء الاحتجاج على توقيف ربراب من قِبَل بعض أنصاره؛ لكونه من رجال الأعمال الذين عانوا في فترة الرئيس السابق من التضييق. لكن ربراب يبقى لدى خصومه من الوجوه المحسوبة على جناح مدير المخابرات السابق الجنرال توفيق، الذي يتهمه اليوم علناً الفريقُ قايد صالح بتدبير مؤامرات ضد الجزائر بالتعاون مع قوى أجنبية. وتتركز الأنظار أكثر على الوزير الأول السابق أحمد أويحيى، ووزير المالية الحالي محمد لوكال، اللذين تلقيا استدعاءات للمثول أمام وكيل الجمهورية في «قضايا تبديد المال العام وتقديم امتيازات غير مشروعة». ويُتوقع أن تمتدّ الحملة في الأيام المقبلة إلى وزراء آخرين، تصرفوا بشكل مشبوه في أموال عمومية، من بينهم الوزير السابق والأمين العام لحزب «جبهة التحرير الوطني» جمال ولد عباس، الذي يستعد مجلس الأمة لرفع الحصانة عنه.