يعود تاريخ اعتماد الإنسان على التكنولوجيا العسكرية غير المأهولة إلى قرون. ورغم الانطلاقة الواسعة للطائرات المسيّرة على يد الجيش الأميركي في حروبه مطلع القرن الحالي، إلا أنّ البداية الفعليّة لهذه التكنولوجيا كانت في عام 1849، بما توافر من إمكانات تقنيّة حينها. إذ لجأت النمسا إلى استخدام بالونات حارقة أثناء حصار البندقية، في ما اعتُبر أوّل استعمال عسكري لتكنولوجيا غير مأهولة في التاريخ. وتسارعت وتيرة تطوّر التكنولوجيا العسكرية في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ومعها بدأ استعمال الطائرات من دون طيّار، بما يُشبه النسخة المعاصرة، في المهمات الاستطلاعية والقتالية. ومن الأمثلة البارزة «حشرة كيترينغ» الأميركية التي تحمل المتفجّرات في الحرب العالمية الأولى، وطائرة «الملكة بي» البريطانية في الثانية. وأخيراً، قدّمت إسرائيل مدرّعة M113 غير مأهولة في ساحات المعركة في غزّة وجنوب لبنان، في إطار «الضرورة الميدانيّة» في ظلّ تحوّل مختلف أنواع دبابات العدو إلى توابيت متنقّلة، ما دفع قوّاته إلى اللجوء إلى المدرّعة المنتهية الصلاحية، واستعمالها كبديل أقلّ كفاءة وفعاليّة، لكن بما يؤمّن تخفيف الخسائر البشريّة، في ظلّ أزمة نقص أعداد الجنود التي تتفاقم في الحرب القائمة منذ أكثر من عام. تُعد مدرّعة M113 «زيلدا»، التعديل الإسرائيلي لناقلة الجند المدرّعة الأميركية M113. تحمل المركبة رشاشاً عيار 12.7 ملم، وأربعة مدافع رشاشة عيار 7.62 ملم، كما أنّها كُيّفت للتأقلم مع المناخ الحار في المنطقة. وسعى الاحتلال إلى إيجاد طرق لإعادة استخدام مركبات M113 الأميركية القديمة التي أدخلت إلى الخدمة في الستينيات، بعد تحوّل ناقلة الجند المدرّعة من حصن للجنود في المعارك، إلى قبر متنقّل تفتك به الأسلحة المضادة للدّروع المنتشرة في جميع الجبهات. وعانى العدو من نقاط ضعف العربة التي تحتوي على درع من الألومنيوم، يوفّر حماية محدودة ضد الأسلحة الصغيرة، وغير فعّال ضد صواريخ الـ «آر بي جي» ونيران الرشاشات الثقيلة. ومن الحوادث التاريخية التي تسلّط الضوء على نقاط الضعف هذه، مقتل خمسة جنود من سلاح الهندسة في أيّار (مايو) 2004، عندما انفجرت ناقلة جند مدرعة من طراز «زيلدا» محمّلة بالمتفجرات على طريق فيلادلفيا بالقرب من الحدود الفلسطينية ــ المصرية. وأثناء عملية «تسوك إيتان» في 2014، قُتل سبعة جنود عندما علقت ناقلة جند مدرعة من الطراز نفسه في حي الشجاعية في غزّة ودُمّرت بنيران قذائف الـ «آر بي جي».
-
المقاومة تتصيّد الجنود... وإسرائيل تستنجد بـ «زيلدا»
ومع تطوّر الأسلحة المضادة للدروع لدى فصائل المقاومة، حاولت مراكز التطوير والأبحاث الإسرائيلية الإفادة بطريقة مختلفة من المدرعة الضعيفة التي لم تعد ترقى إلى أداء مهمتها الأساسية في نقل الجنود بطريقة آمنة. وجرّب العدو نماذج أوليّة من المركبة في عام 2013، يتمّ التحكّم بها عن بُعد عبر أنظمة تصنّعها شركات عدّة من بينها «إلبيت»، وهي شركة تكنولوجيا عسكرية إسرائيلية مسؤولة عن تزويد قوات الاحتلال بالمعدّات البريّة والمركبات الجويّة غير المأهولة. هكذا، تحوّل جوهر وظيفة المدرّعة التي تسير بسرعة تصل إلى 50 كم/ ساعة، إلى آلة مسيّرة تستكشف تارةً البيئات الصعبة، أو تنقل طوراً المعدات العسكرية من دون تعريض الجنود للخطر.
في هذا السياق، لا يقتصر تحويل القوات الإسرائيلية الآليات إلى مركبات غير مأهولة على هذا، بل يمتدّ لما هو أبعد من ناقلات الجنود المدرعة. فقد استخدم سلاح الهندسة جرافات D9 الموجهة عن بُعد، والمعروفة باسم «رعد الفجر»، منذ أوائل العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين. وشاركت هذه الجرافات للمرّة الأولى في قطاع غزة في عملية «الرصاص المصبوب» في 2008. وعلى مر السنين، عمل العدو على إصدارات أكثر تطوّراً، بما في ذلك جرّافة «باندا» التي كانت أولى مشاركاتها في المعارك أثناء معركة «السيوف الحديدية» في عام 2017.
بعد ذلك بعامين، كشفت شركات الصناعة العسكرية الإسرائيلية «رافائيل» و«إلبيت» و«صناعات الطيران والفضاء الإسرائيلية» (IAI) أثناء معرض عسكري، عن مشروع «كرمل» الذي يتكئ على الذكاء الاصطناعي وتقنيّة القيادة الذاتيّة مع الحفاظ على العامل البشري داخل المركبات القتالية عبر جنديين. واستعرضت الشركات الثلاث المركبة التي وصفتها بـ «الرشيقة، والفعّالة، والقابلة للصيانة بأسعار معقولة». تشغَّل المركبة على شاشة عرض بانورامية وشاشات تحكّم فرديّة، وعبر عصا تحكّم مشابهة لتلك الخاصة بجهاز ألعاب الفيديو Xbox. وتعمل القدرات الذاتية في المركبة القتالية من قبل نظام مركزي ذاتي التّحكم يدمج المكونات المختلفة للمنصة، فيما يساعد المشغل البشري في معالجة المعلومات والتركيز على التهديدات الحرجة من أجل اتخاذ قرارات فعالة.
ورغم غياب أي إعلان رسمي من قبل القوات الإسرائيلية عن استخدام الآليّات الجديدة، إلا أنّ حسابات عدّة على «إكس» تداولت مشاهد لـ «زيلدا»، وتحديداً مع بداية الغزو البرّي على محور فيلادلفيا في رفح. وزعمت تقارير إعلامية غربية أنّ ناقلات الجنود المدرعة غير المأهولة هذه، لعبت «دوراً رئيسياً» في المعركة الاستراتيجية على هذا المحور، إذ استعملها العدو للتعمّق غرباً باتجاه البحر.
والجدير ذكره أنّ «معاهدة السلام» الموقعة بين إسرائيل ومصر في عام 1977، تنصّ على عدم تسيير مدرّعات ثقيلة في المنطقة الحدودية، إلا أنّ منصات التواصل الاجتماعي، وتحديداً «إكس»، تداولت محتوى يظهر دخول مدّرعة M113 تحمل رايةً كبيرة الحجم للكيان بطريقة استعراضية. لكن المفاجأة الكبرى أنّها كانت أول استعمال لدبابة مسيّرة غير مأهولة في تاريخ الحروب! حرصت إسرائيل عبر هذه المشهدية على توجيه رسائل في كل الاتجاهات، سواءً سياسياً في وجه كل الخطوط الحمر العربية التي رافقت عملية محور فيلادلفيا، أو تكنولوجيّاً لناحية إظهار قواتها بأنّها الرائدة عالمياً في هذا المجال. كل هذا لم ينفع إسرائيل في إنهاء المقاومة في أي نقطة من القطاع المحاصر بعد أكثر من عام على الحرب، إلا أنّه يصبّ حقيقةً في خانة الإنجازات الإعلاميّة التي يعوّل عليها قادة اليمين الصهيوني، وعلى رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، للانتقال من صورة السياسي الفاسد إلى «بطل قومي» لم يعرف الكيان مثيلاً له. علماً أنّ الأمر لم ينحصر في غزّة فقط، إذ لجأت إسرائيل إلى «زيلدا» في بداية العدوان البري على جنوب لبنان. وتناقلت حسابات عدّة على السوشال ميديا مشاهد للآلية التي تركها العدو بعد هروب جنوده، تحديداً على محور العديسة ــ كفركلا، فيما تداول بعض الخبراء تحذيرات بعدم الاقتراب من المدرّعة التي تحمل ما يصل إلى أربعة أطنان من المتفجرات، نظراً إلى احتمال لجوء العدو إلى استعمالها كعبوة ناسفة متحرّكة تنفجر عند الاقتراب منها.

