
بعد الردّ الإسرائيلي الأخير على إيران، تضاربت الآراء بين المراقبين الذين يرى البعض منهم في «ضبط النفس» الذي مارسته إسرائيل مدخلاً نحو خفض التصعيد الإقليمي، والبدء، حتى، في وضع أسس اتفاق ينهي الحرب الدائرة في غزة ولبنان؛ وآخرين يعتبرون أنّ خفض التصعيد «التكتيكي» لا يلغي واقع أنّ «المسار العام» لا يزال تصاعدياً، ولا سيما وسط التواطؤ الأميركي في استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان، جنباً إلى جنب عدم إظهار بنيامين نتنياهو أي نية لخفض التصعيد، قبل تحقيق أهدافه العالية السقف.
وفي السياق، أورد موقع «ريسبونسبل ستيت كرافت» الأميركي تقريراً جاء فيه أنّه في حين أنّ فريق جو بايدن قد يكون «تنفس الصعداء»، في ما يتعلق بتجنب صراع كبير قبل الانتخابات الرئاسية، بعد الرد الإسرائيلي «المحدود»، إلا أنّه بصورة أعم، لن يستمر الوضع على ما هو عليه، في حال فشل الإدارة الأميركية في «استغلال الوضع»، لفرض وقف لإطلاق النار في غزة ولبنان. ويعتبر أصحاب هذا الرأي أنّه في حين أنّ بايدن يتمتع بـ»النفوذ» الكافي لجعل إسرائيل «توقف مذبحتها»، فهو رفض حتى الآن استغلال ذلك النفوذ، متسائلين عن عدد «الجولات» التي يمكن لإيران وإسرائيل الاستمرار في تبادلها، قبل أن تتفجر حرب واسعة النطاق، تجتاح المنطقة بأكملها.
وعلى الضفة نفسها، نقل «المجلس الأطلسي» عن مراقبن قولهم إنّ من المرجح ألا تسمح إيران بتمرير «الانتهاك الإسرائيلي لسيادتها» من دون رد، ما قد ينطوي على استمرار الأعمال العدائية. كما أنّه قد يكون لدى إسرائيل، بحسب هؤلاء، النية للاستمرار في محاولة خفض قدرات إيران في مجال الأسلحة، من خلال شنّ ضربات إضافية. وعليه، وعلى الرغم من إعلان بايدن أنّه يرغب في أن تضع الأحداث الأخيرة «نهاية للعنف»، إلا أنه لا يزال من الصعب تصور أي نهاية مماثلة للصراع، في وقت «تواصل فيه إيران سعيها للحصول على سلاح نووي، وتهدد بتدمير إسرائيل”.
تبدو وجهة النظر القائلة بعدم حدوث أي «انفراجات سريعة» الأكثر ترجيحاً حتى اللحظة
على أنّ المجلس نفسه ينقل عن مراقبين آخرين وجهة نظر «أكثر تفاؤلاً»، تستند، بشكل خاص، إلى الوقائع الميدانية في جنوب لبنان. وممّا يورده «المجلس»: «إلى جانب انخراط إسرائيل في معاركها المميتة مع (حماس) وحزب الله، فتح (ضبط النفس) الذي تمارسه طهران وتل أبيب الباب أمام التفاوض على صفقة رهائن ووقف الأعمال العدائية في لبنان». ويردف أنّ حملة إسرائيل في لبنان لن تسير بالسرعة المتوقعة، ومع تزايد الخسائر في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي، واستمرار تحليق صواريخ حزب الله، يشعر الإسرائيليون، أنفسهم، بشكل متزايد بأن العملية لا تسير كما هو متوقع أيضاً، مشيراً إلى أنّه كما كان يحصل دائماً، تجد إسرائيل أنّ «قمع عدوان حزب الله يبدو، على الدوام، أسهل على الورق، منه على أرض الواقع». وطبقاً لأصحاب هذا الرأي، وفي حال كان هناك استعداد من ناحية ممثلي «حماس» وحزب الله، فقد تتاح للمفاوضين «فرصة جديدة، في الأيام والأسابيع المقبلة، لوقف إزهاق الأرواح في جميع أنحاء المنطقة»، فيما المهمة تقع على عاتق «الديبلوماسيين» المنخرطين في المفاوضات.
على أنّ المعطيات الأخيرة تشير إلى أنّ المساعي الديبلوماسية التي يتم الحديث عنها، والمتمثلة أخيراً في الحراك الأميركي تجاه المنطقة، هي مجرد مناورات تجريها الإدارة الديموقراطية، قبل الانتخابات الرئاسية، ما ينذر بأنّ وجهة النظر «الأولى»، القائلة بعدم حدوث أي «انفراجات سريعة»، هي الأكثر ترجيحاً حتى اللحظة. حتى إنّ وسائل إعلام عبرية لفتت إلى أنّه في أعقاب الزيارات التي أجراها وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن إلى المنطقة، و»لقاء الدوحة»، الذي حضره مدير الـ»سي آي إيه»، وليام بيرنز، فإنّ مجموعات التفاوض الإسرائيلية والقطرية والأميركية كانت «متشائمة» إزاء إمكانية إحداث أي خرق، على الرغم من تلويح نتنياهو، في وقت سابق، بأنّه»منفتح» على «الاتفاق المصغّر» الذي طرحته مصر أخيراً.
وطبقاً لمصادر أميركية، فإنّ «الفراغ القيادي الذي نتج من اغتيال يحيى السنوار، قلل من حظوظ التوصل إلى اتفاق سريعاً»، على الرغم من إعلان واشنطن نيتها استغلال استشهاد الأخير للمضي قدماً في اتجاه وقف إطلاق النار. واللافت، أنّ وزير الأمن الإسرائيلي، يوآف غالانت، عبّر، منتصف الشهر الجاري، عن صورة قاتمة خلال اجتماع مع عائلات الأسرى الإسرائيليين، مشيراً إلى أنّ «الأميركيين غير منخرطين في العمل تجاه التوصل إلى اتفاق»، وأنّ «حماس» شددت مواقفها، «والتواصل معها بطيء”.

