ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

من سيحرر فلسطين؟

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
هيثم صميدة قاسمي
هيثم صميدة قاسمي
الخميس 17 تشرين اول 2024
الخط


«يا الدولة يا الدولة

واش تديروا بينا؟ (ما حاجتكم بنا)

هزّونا لفلسطين (أرسلونا)

نحارب الصهاينة»

للوهلة الأولى، يبدوهذا الشعار الذي تردّده الجماهير فوق مدارج الملاعب وعلى إسفلت الشوارع مجرّد تنفيس انفعالي لفئة اجتماعية لم تعد ترى غاية من عيشها في أوطانها - القُطرية على الأقل - فارتأت لنفسها الطريق «الانتحارية» عبر الشهادة في فلسطين. عشية السابع من أكتوبر المجيد، وفي غمرة كل الأحاسيس التي عرفها العقل والقلب، منذ أن أصبح الجهازان في اتصال دائم في تاريخ تطور الإنسان العاقل، تردّدت من بين النقاشات فكرة أن مواطني البلدان المتقدّمة مساكين، إذ لم تعد لديهم قضايا كبرى يدافعون عنها ويموتون من أجلها فيُنْهون حياتهم فاقدة المعنى في غابات اليابان أو في جليد اسكندنافيا.
حدثني سائق تاكسي يوماً أنه عاش ستَّ سنوات كاملة في السويد حيث اشتغل ميكانيكياً فكان المال وفيراً والعيش رغيداً، ولكنه اشتاق إلى الشمس فعاد إلى تونس يعمل سائق أجرة يُؤجرُ ثلث عمله ويعيش مع الرجال في الشمس. صحيح أن فيتامين دال مقاوم للاكتئاب ولكن السحب لم تتكاثر أخيراً في سماء الشمال، بل انقشعت أسباب العيش عمّن يسكنون تحتها. ففي عصر غير بعيد، كان أبناء الغيوم يخرقون الأرض بطشاً وكانت القضايا الكبرى محرِّكَ وجودهم، إمّا باسم دين أو المسيح أو رأس المال. كما عرفت أيضاً بلدان ما فوق خط عرض 45 عدداً من الحركات الثورية التي تتبنى الثورة الاشتراكية العالمية عبر مقارعة الإمبريالية، وقد كان لعدد منها دور في إسناد القضية الفلسطينية. أمّا اليوم، فإن سليلي الجيش الأحمر الياباني والفصيل المسلح الأحمر الألماني ومجموعة العمل الشيوعي الدنماركية وغيرهم قد دجّنهم نظامٌ كَنَسَ أتربة تناقضات رأس المال العالمي تحت بساط الديموقراطية الاجتماعية.
يُذْكَرُ أن الشهيد المقاوم باسل الأعرج قد تطرّق إلى موضوع العيش والموت من أجل القضية الفلسطينية، إذ يعتبر نفسه قد وجد فيها أجوبته عن الأسئلة التي تجتاح ذهنه القَلِق. كذا خاطب أيضاً صديقاً له بأن يدع فلسطين أمام عيونه كي تهديه سبيل تجاوز أزماته الوجودية. هذا ما تبقّى للجماهير من أمل، وإن يئس شق كبير منها فرمى نفسه في البحار ولكنّهم ما بدّلوا علّة وجودهم: «هزّونا لفلسطين نحارب الصهاينة».
عند تفكيك هذه الأهزوجة المقتضبة نتفطّن إلى بلاغة المعنى وكثافة المطلب فيها. فهذه الجماهيرلا ترى فائدة دولها منها، فهي إما عاطلة من العمل أو تقتات من أشغال غير ثابتة من دون أيّ غايات تنموية كبرى سوى البقاء على قيد الحياة. كما أن الجماهير الهازجة لا تربط مطلبها بالجهاد في فلسطين كحل لأزمتها الوجودية فقط، بل إنها ترى أن القضاء على العدو الصهيوني هو المدخل المادي لفضّ مُعضِلة قلة جدواها في وطنها. فالصهيونية امتداد للإمبريالية التي تمنع التنمية في الوطن العربي عبر حروب الهدر، على قول علي القادري، فتعتدي على قوى الإنتاج من بُنية تحتية تُدمّرها ويد عاملة تقتلها إما بصاروخ أو بتقليص أمل حياتها عند الولادة بسوء التغذية وتهرئة المرافق الحيوية وتلويث محيطها.
عن قصد أو من غيره، يُعبّر هذا الشعارعن مُعاداة شعبية خالصة للإمبريالية الداعية إلى التحرّر الوطني بالمعنى الذي ساقه أميلكار كابرال: تحرير قوى الإنتاج من سطوة رأس المال الاحتكاري. تُعبّر بالتالي الجماهير الشعبية بوضوح عن موقعها داخل التناقض الأساسي الذي يحكم العالم اليوم: التناقض بين رأس المال العالمي والشعوب المنهوبة.

الجماهير الشعبية كطبقة
بما أن تاريخ المجتمعات هو تاريخ الصراع الطبقي، فإن من أوكد المهمات التحليلية تحديد أطراف الصراع من أجل التقدم بالتاريخ. تنقسم المجتمعات في نمط إنتاج مُحدّد إلى طبقتيْن تتصارعان في ما بينهما حول الموقع من وسائل الإنتاج. نجد في مجتمعاتنا الحديثة طبقة الرأسماليين الذين يملكون وسائل الإنتاج من جهة، والمُنتِجين الفعليّين من جهة أخرى، ممّن يبيعون قوة عملهم مقابل أجور يُعيدون بها إنتاج أنفسهم، أي البقاء على قيْد الحياة بالغذاء والتطبّب وتجديد الطاقة بالراحة والترفيه. كان التحليل الماركسي الأوّل مُركّزاً على هاتيْن الطبقتيْن نظراً إلى خاصيته التجريدية أولاً، وثانياً إلى ظروف الثورة الصناعية في أوروبا الغربية في القرن التاسع عشر، أين ومتى نشأ هذا الفكر. لكنه لم يتغاض بالطبع عن الطبقات الأخرى كالبرجوازية الصغيرة والبروليتاريا الرثّة وغيرهما.
وعند توسّع رأس المال إمبرياليّاً، وخاصة في مرحلة استعمار المجتمعات غير الأوروبية التي ما زالت تعتمد أنماط إنتاج ما قبل رأسمالية، ارتأى رأس المال الاحتكاري الإبقاء على بعض عناصر هذه الأنماط من أجل التخلّص من أعباء إعادة الإنتاج الاجتماعي عبر الأجور. بلغة أبسط، من الأرخص على رأس المال الاحتكاري أن ينهب الموارد ويستغلّ قوة العمل من دون قيود تعاقدية تُحتِّمُ عليه دفع ثمن البضاعة ودفع أجرة العمل الذي استخرجها.

أمّا «الانتلجنسيا»، فما عليها سوى أن تتحرر من أدران الفكر البرجوازي الصغير المُغتَرِب عن بيئتها عبر الانتحار الطبقي كما بيّنه أميلكار كابرال


لكن الإبقاء على بعض مظاهرعلاقات الإنتاج ما قبل الرأسمالية لا يعني عدم تغلغل العلاقة الشغلية المبنية على الأجر، بل إنّ ذلك مدخل لعلاقات إنتاج هجينة تُبرِّرُ سياسات الضغط على الأجور ورمي العُمّال المأجورين إلى مصيرهم في توفير ما يُعيد إنتاجهم اجتماعياً عبر علاقات إنتاج أخرى. تُسمى هذه الوضعية بالبلترة الجزئية (semi-proletarianisation) والتي أرّقت عدداً من المفكرين الماركسيين منذ كاوتسكي ولينين مروراً بماو وصولاً إلى مدرسة التبعية ونظرية منظومات العالم.
ولعل أفضل من حلّل ظاهرة البلترة الجزئية في وقتنا الحاضر المفكّر باريس ييروس الذي ننهل من كتاباته في مقالنا هذا. ينطلق ييروس من ملاحظة وضعها زميله برابهات باتنايك حول ضبابية الفرق، في عصر النيوليبرالية، بين العُمّال النشطين واحتياطي العمل، أي بين من يشتغلون بانتظام برواتب أو أجور ومن يشتغلون موسميّاً أو عاطلون من العمل. إذ خلُص إلى أنه في الثلاثين سنة الفارطة، أصبح احتياطي العمل، أي جيش العاطلين، أكبر بكثير من أولئك المُشَغَّلين. بالفعل، فبين عامَي 1991 و2012، ما زالت نسبة البطالة في العالم تتجاوز النصف وتتركز أكثر في دول أطراف رأس المال. يُبيّن برابهات وزوجته أوتسا باتنايك في كتاب «نظرية عن الإمبريالية» كيف أن تضخّم البطالة والإبقاء عليها تمظهر من تمظهرات الإمبريالية في شكلها الاقتصادي الصرف، إذ إن وفرة العمل كسلعة تبخّس ثمنه أي الأجور، ما يجعل المنتجات رخيصة في السوق العالمية فيتحقق التبادل غير المتكافئ بين المركز والأطراف.
المُهمّ، يُعرِّف باريس ييروس البلترة الجزئية أنها: «عدم اعتماد قوة العمل في مدة زمنية معيّنة (جيل مثلاً) على الأجور والعمل المأجور من أجل إعادة إنتاج نفسها اجتماعياً، رغم فقدانها لكل وسائل إنتاجها أو جزء منها».
نعلم بأن البلترة الكاملة هي عملية فصل المنتجين عن وسائل إنتاجهم، مثل نزع ملكية الفلّاحين للأرض، وتحويلهم إلى بروليتاريا يعتاشون من بيع قوة عملهم مقابل أجر يعيدون به إنتاج أنفسهم. لكن في حالة البلترة الجزئية، فإن هذا الفصل يحدث بالفعل ولكن المفصولين لا يتحوّلون إلى بروليتاريا بالكامل، إذ إنّ النسيج الاقتصادي لا يمتصّ قوة العمل بالكامل. عجزُ رأس المال عن تشغيل كل اليد العاملة الموجودة هو أول التناقضات الاجتماعية التي تفطّن إليها كارل ماركس عند دراسة النظام الرأسمالي.
بناء على هذه الوضعية، تضطر البروليتاريا الجزئية إلى تعويض نقص مواردها بدمج العمل المأجور الذي يكون عادة موسميّاً مع أعمال أخرى مثل الإنتاج الفلاحي المُوجّه إلى الاستهلاك الذاتي وإنتاج السلع البسيطة المُوجّهة إلى السوق والاشتغال في التجارة الصغيرة أو الخدمات الحقيرة. وتكون هذه الأنشطة إمّا في منازل أصحابها أو في فضاءات مؤجّرة أو في قارعة الطريق أو في حالة تجوال. بالإمكان ملاحظة هذا التنظيرعملياً بالنظر في شوارع المدن العربية التي تغُصّ بالمحلّات التجارية الصغيرة وعربات المأكولات والباعة المتجولين الذين يريدون منك اقتناء سماعات آر بودز أو ساعة أو جوّال. كما يظهر ذلك في الأرياف حين يعمل الفلاحون الصغار في أراضي المستثمرين وفي نفس الوقت يعملون في قطع أرض يملكونها كي يوفّروا منها كفاف غذائهم أو يبيعون بعضها لسد حاجياتهم التي لم تف بها الأجور التي يتلقونها.
إعادة الإنتاج الاجتماعي خارج علاقة العمل المأجور إضافة إلى تراجع سياسات الدولة عن تأدية دورها الرعائي يشكلان المعنى الاقتصادي السياسي لمفهوم التهميش في ظل طغيان رأس المال الاحتكاري، أي الإمبريالية. هذا التهميش يعني تعميم البلترة الجزئية داخل مجتمعات أطراف رأس المال العالمي حيث تتأرجح في هذه الوضعية كلٌّ من اليد العاملة غير الكفء المُشغَّلة موسمياً، والمُشتغلين للحساب الخاص أي البرجوازية الصغيرة الدنيا من حرفيّين وتقنيين (السبّاكين والميكانيكيين ونحوهما)، والعاطلين من العمل، وأولئك من لا يقدرون على العمل مثل كبار السن ومن يحملون إعاقة أو مرضاً، والنساء اللاتي يقمن بأشغال غير مأجورة في البيت والتي تُمثّل عماد إعادة إنتاج قوة العمل اجتماعياً عبر الولادة والرعاية (الطبخ والتنظيف والتمريض).
هذه هي الطبقة التي يمتص دمها رأس المال الاحتكاري المُعَوْلَم ويسفكه ثم يبيعه على الشاشات حتى يستثمره في تغيير الأنظمة ومُحاربة الحركات التي تُعاديه أو في توجيه أمواله الراكدة نحو «المساعدات» التي تزيد من تعميق التبعية له، وذلك بتسهيل وتعاون من الطبقات المحلية التي تعتاش منه اقتصادياً والمولعة به ثقافياً. هذه هي الطبقة التي لا تحصد أي فائدة تُذْكَر مما آل إليه النظام العالمي الذي يحكمها فلم يعُد لديها ما تخسره في مواجهته وإسقاطه، بل لها ما تجني الكثير بنقضه وتعويضه بنظام تتحكم فيه بمصائرها ومُقدّراتها.
في النهاية، تقف إذاً الجماهير الشعبية المُبَلتَرة جزئياً في أول الصفوف المُعادية للإمبريالية. تتّحد ظروفها الموضوعية، المُبيّنة أعلاه، مع خاصياتها الذاتية المُتمثلة في المحافظة على ثقافتها كوسيلة من وسائل المقاومة والتحرّر من الغزو الثقافي الإمبريالي. ففي نهاية التحليل، «كل العرب مُحتلّة إلا حْوُمنا* وفلسطين» (*أحياؤنا الشعبية) على قول شاعر الراب التونسي حسان جونيور. هذا الاحتلال الذي يتكلم عنه هنا هو احتلال العقول والإرادة الذي اجتاح الطبقات المُعتاشة من الإمبريالية، فما دامت فلسطين والأحياء الشعبية تُقاومان فهما لم تُحتَلا بعدُ. يُحيلنا هذا التصوّر إلى مقولات بوب مارلي حول تحرير أنفسنا من العبودية الذهنية وتحليلات فرانز فانون لاستعمار الأذهان وحِكم الإغريق الداعية إلى الدفاع عن العقول كما لو كان دفاعاً عن حصون المدينة.
هذا هو الطابع الثوري للجماهير الشعبية التي تلبس وجودها الطبقي لبوساً، ولا تحتاج معجماً تُقلّبه كي تفهم دمها. عدوّها واضح وهدفها أوضح. لا تلغو ولا تذهب ريحها فهي في جانب كل من وجّه بندقيته تجاه قامعها، تضع العبوات الناسفة من المسافة صفر وتخرج إلى الشوارع مُهلّلة تزُفُّ أخبار قصف الكيان. كيف لا وقد فتحت أعينها على الدنيا في القصدير تحت القصف والجوع والفقر.
أمّا «الانتلجنسيا»، فما عليها سوى أن تتحرر من أدران الفكر البرجوازي الصغير المُغتَرِب عن بيئتها عبر الانتحار الطبقي كما بيّنه أميلكار كابرال وتنأى بنفسها عن مهاترات إن لم تردّد فيها مقولات العدو فهي تُروّج لخطاب الهزيمة. فليس موقعها الطبقي أمراً محتوماً، فكاسترو محامٍ، والقسّام وكنفاني معلّمان، وحبش وحداد وجيفارا أطبّاء، لكنهم اختاروا موضعهم من التاريخ عبر توجيه امتيازاتهم الطبقية نحو إسناد الطبقات الثورية والانخراط في معركة التحرير.
* كاتب تونسي

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك