
فضيحة جيفري إبستين ليست حالة فردية، بل تجسيدٌ مكثّف لمنطق الرأسمالية حين تتوحّد الثروة والسلطة بلا مساءلة. استغلال القاصرات وحمايته سياسياً وقضائياً يكشفان تداخلاً بنيوياً بين الاستغلال الطبقي والهيمنة الذكورية، لتتحول أجساد النساء إلى أدوات للنفوذ والتراكم
«لا حياة صحيحة داخل حياة خاطئة»، هي الخلاصة التي توصّل إليها المفكر الألماني ثيودور أدورنو في كتابه «أخلاق الدنيا»، التي يمكن أن تترجم بأن «لا عمل أخلاقياً تحت الرأسمالية».
في تلك الجزيرة، أتى جيفري إبستين بكل موبئات هذا العصر لممارسة كل ما تسمح به سلطتهم وثروتهم وعنجهيتهم. اعتبر هؤلاء الذين يديرون المال والسلطة أن بإمكانهم فعل ما يريدون بمن يريدون، فتسقط هنا كل ادعاءات الأخلاق والقوالب الثقافية والمنظومات القيمية، فهذه القلة تمتلك ما يكفيها من قوة ونفوذ ومال حد الاعتبار بأنّ كل شيء مباح لها. حتى إنهم لم يخجلوا من تصوير أفعالهم لعلمهم أنهم أعلى من أي قدرة على المحاسبة، بوصفهم أصحاب الحكم الأساسيين.
ابحث عن المال
هذه الفضائح ليست انحرافات فردية لمجموعة أثرياء ونافذين، بل هي تجلٍّ مادي لمنطق الرأسمالية في أقصى صورها، وكما قال لينين في تقريره «نقابات العمال، والوضع الراهن، وأخطاء الرفيق تروتسكي» إن «السياسة هي التعبير المكثف عن الاقتصاد»، بمعنى أنّ الصراعات الاقتصادية المشتتة بين العمال وأصحاب العمل، أو بين الدول على الموارد، تتجمع وتتحدد وتظهر في النهاية على شكل «سياسة دولة».
جزيرة إبستين لم تكن مجرد ممارسات سادية معزولة، بل كانت المختبر الحقيقي الذي تُصهر فيه المصالح الاقتصادية لتتحول إلى نفوذ سياسي مطلق، حيث تتبدى «الحياة الخاطئة» في أبهى صور استعلائها وتوحشها.
ما قاموا به هو انعكاس لنظرتهم للعالم، فالكوكب بناسه وموارده ملك لهم. في مكان يحرقون الغابات ويلوثون المياه، وفي أماكن أخرى يحتلّون دولاً ويقتلون شعوباً لسرقة الموارد، ويقتلون النفس البشرية لشعوبهم، لتعزيز سيطرتهم.
تكريس الهيمنة الذكورية
في بالم بيتش في ولاية فلوريدا، بدأ أول تحقيق جنائي جدي بحق جيفري إبستين عام 2005، بعد تلقي الشرطة شكاوى تتعلق بقاصرة. كشف التحقيق عن نمطٍ متكرر تمثّل في دفع مبالغ مالية لقاصرات مقابل ما كان يُسمّى «جلسات تدليك» داخل منزل إبستين.
لقاءات كانت تتطور في كثير من الحالات إلى اعتداءات جنسية. وأفادت ضحايا كثيرات بأنهن تلقين مدفوعات نقدية، كما ذكرت بعضهن أنه طُلب منهن استقطاب فتيات أخريات من مدارسهن أو من محيطهن الاجتماعي مقابل مبالغ إضافية، ما أدى إلى إنشاء شبكة تجنيد متسلسلة. ورغم حجم المعطيات، أسهمت ثروة إبستين ونفوذه في إبرام اتفاق إقرار بالذنب مثير للجدل عام 2008، سمح له بتفادي الملاحقة الفيدرالية وقضاء عقوبة محدودة بشروط تفضيلية.
أما مزرعة زورو في ولاية نيو مكسيكو، وهي عقار ناءٍ يملكه إبستين، فقد ورد ذكرها في إفادات عدة متهمات باعتبارها موقعاً آخر للاعتداءات. وصفت الناجيات المكان بأنه شديد العزلة ويصعب الفرار منه، ومصمم لعزل الضحايا عن أي رقابة خارجية، بينما ربطت دعاوى مدنية وشهادات هذه الإفادات المزرعة بعمليات استغلال وإتجار جنسي.
استغل إبستين بشكل منهجي الهشاشة الاقتصادية لفتيات وشابات، مقدّماً لهن المال أو وعوداً بالمساعدة المالية، أو بفرص تعليمية، أو بعقود في مجال عرض الأزياء، لاستدراجهن إلى منازله. وبمجرد دخولهن إلى دائرته، وصفت الضحايا كيف أدى الاعتماد المالي عليه إلى تعقيد إمكانية الإبلاغ عن الانتهاكات، ولا سيما عندما كانت أسرهن تعتمد على هذا الدخل.
يظهر هذا التوحش التداخل الحتمي بين الاستغلال الطبقي والاضطهاد الأبوي. تاريخياً، كان جسد النساء هو الأرض الأولى التي مارس عليها رأس المال سلطته وتراكمه الأولي، وما فعله إبستين وشركاؤه ليس إلا استمراراً لهذا التراكم عبر استغلال الأجساد المهمشة.
وتحولت أجساد الضحايا إلى أداة لإنتاج وإعادة إنتاج الهيمنة الذكورية. سلب هذ النظام الأرض من المزارعات، وانتزع الطب من الساحرات الأوائل، وفرض عليهن أنظمة زواج أشبه بسجون لقدراتهن، ليكونوا مجرد منتِجات للعمال، وسبلاً لتحقيق رغبات أصحاب النفوذ، وتحديداً الرجال منهم.
هذا النظام نفسه حوّل الآخر إلى أداة لتحقيق اللذة وممارسة نفوذ النخبة، وعززت السلطة المالية من هيمنة هذه النخب، عبر استخدام التبرعات الضخمة للمؤسسات العلمية المرموقة والظهور بمظهر المانحين القديسين لتزييف الوعي الجمعي، ما خلق حصانة ثقافية وأخلاقية حول إبستين، جعلت من نشاطه الإجرامي نوعاً من «الحرية الشخصية» أو نمط حياة النخبة الاستثنائي.
هذه القدرة على التوحش، تعكس الغابة التي بداخلهم. وفقاً لتحليل سيغموند فرويد، بداخل كل منا «وحش» غريزي يبحث عن اللذة، لكن «الضمير» والقانون هما اللذان يفرملان هذا الوحش. لكن هذا الضمير اختفى عند نخب إبستين، لأنهم هم أنفسهم من يضعون القوانين، فبات «الوحش» هو المحرك الوحيد.
تعيد فضائح إبستين وضع حقيقة هذا النظام على الملأ، رغم كل محاولات تلميع صورته التي حاولت التصدي لصعود الأحزاب الشيوعية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. يومها عُززت أنظمة الرعاية الاجتماعية، وأُعطيت النساء جزءاً كبيراً من حقوقهن، لكن يوم وجد هذا النظام نفسه بمفرده، يسرح ويمرح في هذا الكوكب، نزع عنه كل الشعارات وعاد إلى حقيقته. وامتد في سلطته حتى وصلت إحدى أذرعه إلى رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، التي وصفت التسريبات في تموز (يوليو) الفائت بأنها «أمور مملة».
العدوان الخبيث
يصف عالم النفس الألماني إريك فروم هذه الممارسات بـ«طبيعة البشر التدميرية»، إذ يرى أن الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يقتل ويحطم أبناء جلدته، ليس من أجل البقاء أو الدفاع عن النفس كما تفعل الحيوانات، بل من أجل «اللذة» والشعور بالسطوة المطلقة، وهو ما سماه «العدوان الخبيث». إن عشق السيطرة على كل ما هو محكوم وآلي، هي النتيجة النهائية لنظام يقدس «نمط التملك» على حساب «نمط الكينونة»، فمن يملك المال والسلطة في هذا النظام لم يعد يكتفي بامتلاك الطائرات، والجزر، والعلماء، بل حتى إرادة وأجساد الآخرين، وتحطيم كرامتهم ليشعر بـ «تأليه الذات».
حماية هؤلاء الأشخاص لعقود لم تكن «مؤامرة» بقدر ما كانت ضرورة بنيوية لحماية النظام نفسه. إبستين لم يكن مجرد فرد، بل كان الخيط الذي يربط بين المصارف الكبرى، والجامعات المرموقة، وصنّاع القرار، وسقوطه باكراً كان سيعني بالضرورة سقوط شرعية المؤسسات التي يقوم عليها المجتمع، وكشف أن «البناء الفوقي» القانوني والأخلاقي ليس سوى قناع هش لمصالح مالية قذرة.
فالحماية هنا كانت دفاعاً عن النفس لطبقة حاكمة ترتبط ببعضها عبر «عقد اجتماعي سري» من المصالح والجرائم المشتركة التي تجعل المحاسبة الحقيقية انتحاراً جماعياً للنظام. فضح إبستين في وقته كان سيعني اعتراف النظام بأن «الحياة الخاطئة» هي القانون الوحيد الذي يحكمه، ما جعل التستر خياراً حتمياً لا مفر منه، حتى وصلت الفضيحة إلى مرحلة الانفجار.

