
يحيي الفنان جعفر الطفّار حفلة موسيقية مساء اليوم في مساحة «برزخ»، بعنوان «باللحم الحَي» يشارك فيها دي جي وائل، والخال مصطفى خضر على العود، في توليفة تجمع بين الإيقاع الإلكتروني والصوت التراثي.
يحمل عرض الطفّار عنوانه كما يحمل جراحه، «باللحم الحيّ». اسمٌ لا يكتفي بالدلالة، بل يصرّ على أن يكون توصيفاً دقيقاً لمسار فنان وجد نفسه خارج كل الأبواب، يعمل بإمكاناته الشخصية وحدها، ويحوّل الخشبة إلى مساحة مقاومة أخيرة.
في حديثه معنا، يشرح الطفّار أنّ هذا العرض وُلد لأن لا أحد يسأل ولا أحد يساعد، ولأن الفن، حين يُحاصَر بالمواقف، يصبح عبئاً مضاعفاً لا ملاذاً. يقطع مسافات طويلة لحضور التمارين والاجتماع مع الفريق، ويخوض التجربة كما لو أنّها معركة بقاء، لا مشروعاً ترفيهياً أو مهنياً.
إقصاء داخلي
منذ سنوات، لم يعد الطفّار يتعامل مع الفن كمصدر رزق. لا يعتمد عليه لتأمين لقمة عيشه أو عيش أطفاله، ويبحث، مثل كثيرين، عن عمل في مجالات أخرى. غير أنّ البحث نفسه بات شبه مستحيل في بلدٍ مدمَّر اقتصادياً، حيث تتشابك السياسة بالمعيش، وتُحاسَب المواقف قبل الكفاءات. يقول بمرارة إنّ «لقمة العيش» باتت مشروطة بالصمت، وإنّ من يصرّ على التعبير يُدفَع إلى الهامش.
ورغم الضيق وتراكم الديون، يصرّ على موقفه، مؤكداً على أنّه لا يملك وسيلة أخرى للتعبير سوى ما يقدّمه على المسرح، وأنّ التراجع ليس خياراً، مهما اشتدّ الخناق.
هذا التضييق بدأ يشتدّ بعد عام 2020، في مرحلة ما بعد الانتفاضة، حين عبّر عن اعتراضه على بعض الوجوه التي قُدِّمت بوصفها «تغييرية» على حد قوله. لكن الكلفة الأكبر هو الموقف من إسرائيل.
موقف تعلّم اللبنانيون والفلسطينيون ثمنه الباهظ عبر تاريخ طويل من الاغتيال والإقصاء، من ناجي العلي إلى غسان كنفاني وغيرهم. غير أنّ الضربة هذه المرّة أتت من الداخل، من بيئة يُفترض أنّها أقرب، وهو ما يجعل الألم مضاعفاً. هنا، لا يتحدّث الطفّار عن خصومة سياسية فحسب، بل عن شعور عميق بالعزلة، وعن حصار معنوي يطاول الفنان والإنسان معاً.
برنامج الحفلة
في هذا السياق، يأتي عرض «باللحم الحيّ» بوصفه فعلاً فنياً وموقفاً سياسياً في آن. الحفلة مقسومة إلى جزأين، الأوّل يتضمن عروض العتابا والعود والقصائد، والثاني يخصص للراب، مع أغانٍ قديمة وأخرى جديدة. ضمن هذا البرنامج، يقدّم الطفّار أغنية «كولومبوس»، التي يعتبرها من صلب الموضوع.
أغنية «صُنعت باللحم الحيّ»، كما يقول، لأنها نتاج تجربة شخصية قاسية، ولأنها لا تفصل بين السيرة الفردية والسياق العام. «باللحم الحيّ» لحفلة في لحظة يختبر فيها الفن حدوده القصوى. هنا، لا يُقدَّم الغناء كمنتج جاهز، بل كفعل مكابرة في وجه الإقصاء، وكطريقة وحيدة للقول في زمن يُطلب فيه الصمت.
في بلدٍ تتآكل فيه المساحات العامة، ويُدفَع فيه المختلف إلى الهامش، يصرّ جعفر الطفّار على الوقوف في الضوء، ولو كان ضوءاً قاسياً. هذا الإصرار، بكل ما يحمله من كلفة، هو ما يمنح العرض معناه، ويجعل عنوانه أكثر من استعارة، جسداً يُعرَض، وكلمة تُقال، باللحم الحيّ.
* «باللحم الحي»: اليوم - الساعة التاسعة مساءً - «برزخ» (الحمرا). للاستعلام: 78/909472

