مستوى لافت وخامات مُميّزة: الفئات العمرية تفتح باب الأمل
جذبت المباريات النهائية لبطولات الفئات العمرية في كرة القدم الأنظار في نهاية الأسبوع، وارتقت إلى مستوى التوقّعات لتتوّج ثلاثة أبطال للموسم.


ربّما من المرّات القليلة التي تثير فيها بطولات الفئات العمرية ضجيجاً يوازي مباريات دوري الدرجة الأولى، إذ بدا المشهد مشابِهاً في ملعب مجمع الرئيس فؤاد شهاب الرياضي في جونية، بين الفترتين الصباحية والمسائية خلال نهاية الأسبوع.
هناك أقيمت صباح السبت المباراة النهائية لدوري الناشئين، قبل أن يتواجه النجمة مع شباب الساحل في دوري الرجال بعد الظهر، ومن ثم يحتضن الملعب نفسه نهائي دوري الشباب، وبعده يصل الأنصار إلى مواجهة الراسينغ في دوري الأضواء.
فعلاً الصورة بدت مشابِهة لناحية اهتمام المتابعين والحضور الجماهيري في المدرّجات، لا بل إن نهائي الشباب مثلاً تجاوز في كثير من اللحظات ما يمكن أن نراه في مبارياتٍ عدة في الدرجة الأولى بعدما قدّم طرفاه الحكمة والعهد وجوهاً شابة أظهرت جرأة فنية وروحاً تنافسية عكستا حجم العمل الذي يجري على صعيد النشْء.
-
أضاف نادي BFA لقباً جديداً أكّد تميّزه في الفئات العمرية
الواقع أن النهائيَّيْن المذكوريْن شهدا مستوى تكتيكياً متقدّماً قياساً بالأعمار مع حضورٍ لافت للمهارات الفردية والانضباط الجماعي، ما أعاد تسليط الضوء على أهمية بطولات الفئات العمرية كمختبرٍ حقيقي لمستقبل كرة القدم، الذي يلقى دعماً واسعاً من خلال هؤلاء الشبان، والدليل أن الحماسة امتدّت من أرضية الميدان إلى المدرّجات، في مؤشرٍ إيجابي إلى أن الجمهور بات أكثر وعياً بأهمية الاستثمار في الأجيال الصاعدة.
نضجٌ، مقوّماتٌ واعدة، رؤية فنية، وشخصية قيادية، ظهرت عند الغالبية العظمى من لاعبي فرق النهائيَّيْن، ما يفتح الباب أمام مرحلةٍ جديدة تفرض التعامل مع هذه المواهب بعناية واحترافية، على المستوى الوطني لا على مستوى كل نادٍ معني فحسب، إذ بدا أن هناك خامات قادرة على التطوّر السريع، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى برامج إعداد متكاملة تواكب انتقالها من المراحل العمرية إلى مستويات أعلى، وذلك عبر تأمين مدرّبين متخصّصين بالنشء، وتأمين احتكاكات خارجية بشكلٍ منتظم تحافظ على نسق التطور وتضيف إليه الخبرة الضرورية.
التحدّي الحقيقي هو في خطة عمل تُبقي المواهب في الملاعب بدلاً من هجرها
الأكيد أن التحدّي الحقيقي الآن لا يكمن في اكتشاف المواهب والتوقّف عندها بالإشادة والكلام بل في توفير الأرضية المثالية التي تضمن استمرارها في ميادين اللعبة، إذ إن العديدين من اللاعبين الشبان قد يضطرون إلى السفر لإكمال دراستهم والبحث عن سبل حياة أفضل، وذلك بغياب الحوافز المعنوية والمادية التي قد تبقيهم في اللعبة قبل الارتقاء إلى المستوى الأعلى.
أضف إلى غياب المسار الواضح للانتقال نحو الاحتراف، ما يدفع بعضهم إلى هجر اللعبة رغم امتلاكهم إمكانات كبيرة.
من هنا تبرز ضرورة تكاتف الأندية والاتحاد والجهات الداعمة لبناء منظومة حاضنة تشجّع اللاعب الصغير السنّ على الاستمرار وتمنحه الأمل بمستقبل واضح.
لقب الشباب للحكمة والناشئين لـ BFA
ميدانياً، لقبٌ تاريخي حقّقه الحكمة في دوري الشباب، هو الأول في تاريخه، وذلك بفوزه على العهد 4-2 بركلات الترجيح بعد انتهاء الوقت الأصلي بالتعادل 1-1، في مواجهة اتّسمت بالندّية، حيث قدّم الفريقان أداءً فنياً مميزاً يعكس العمل الكبير الذي يُبذل على مستوى الفئات العمرية.
وافتتح جورجيو شمّاس التسجيل لفريق الحكمة قبل أن ينجح حسين الزين في إدراك التعادل للعهد.
وشهدت الدقائق الأخيرة من المباراة محاولات متبادلة من الفريقين لخطف هدف الفوز، إلا أن التسرّع أحياناً والتألق اللافت لحارسَي المرمى حالا دون تغيير النتيجة، ليحتكم الفريقان إلى ركلات الترجيح التي ابتسمت للحكمة بعدما أظهر لاعبوه تركيزاً عالياً وثباتاً ذهنياً في لحظات الحسم، وسط تألّق حارسه آدم أورفلي الذي تصدّى لركلتين.
ويُعدّ هذا اللقب إنجازاً تاريخياً لنادي الحكمة على مستوى فئة الشباب، إذ يضعه في مصافّ الأندية المتقدّمة في مجال صناعة المواهب وتطوير القاعدة الكروية، ويعكس ثمار العمل الفني المُنظّم داخل النادي الذي احتفل رئيسه المحامي راغب حداد باللقب مع اللاعبين ومشجّعي الفريق الذين حضروا بأعدادٍ لافتة لتشجيع مواهب ناديهم، ومنهم من شقّ طريقه إلى الفريق الأول منذ الموسم الماضي، وشارك في العديد من المباريات في الموسم الحالي.
هذا، وقد تُوّج سبورتينغ BFA بلقب الناشئين بفوزه على أتلتيكو بيروت 2-0، سجّلهما حارس الأخير جاد يمين خطأ في مرماه، وكمال عازار.
لقبٌ ليس الأول لـ "بيروت فوتبول أكاديمي" أكّد تميّزها على صعيد الفئات العمرية منذ أعوامٍ طويلة، وهي التي سبقت أنديةً عريقة في عدد الألقاب، التي كادت تضيف آخر إليها لولا خسارة فريقها للاعبين دون الـ 15 عاماً لنهائي الفئة أمام توفير بنتيجة 1-2.
ختاماً، لا بدّ من القول بأن ما قدّمته كل هذه النهائيات يُثبِت أن قاعدة اللعبة ما زالت قادرة على إنتاج مواهب مُميّزة، وأن الاستثمار في الفئات العمرية هو الخيار الاستراتيجي الأصحّ لضمان الاستدامة والتطوّر. وإذا ما ترافقت هذه البوادر الإيجابية مع رؤية طويلة الأمد تضع اللاعب الشاب في صلب الاهتمام، فإن هذه المواهب لن تبقى مجرّد ومضات عابرة، بل ستتحوّل إلى رافعة حقيقية تعيد إلى اللعبة حيويتها وتمنحها آفاقاً أوسع في السنوات المقبلة.
