المقاومة ومرحلة ما بعد الإيلام

يمكن التقدير، ربطاً بالسلوك الإسرائيلي الراهن، المتعثّر ميدانياً و«التائه» سياسياً، أن مفاجأة العدوّ بنجاح ضربات الشهر الماضي قد فاقت مفاجأة أهل المقاومة. فبالنسبة إلى العدوّ، لم يكن الوصول إلى قيادات المقاومة التاريخيين والتمكّن منهم بالأمر السهل ولا المتوقع، بل إن النشوة السريعة التي غمرت قادة الكيان، ومسارعة نتنياهو إلى الإفصاح عن «المخبوء» الإمبراطوري بالتوسع والهيمنة المطلقَين، ترجّحان هذا التقدير وربما تؤكدانه.
مع ذلك، فإن ما وقع قد وقع. والضربات الإسرائيلية كانت أكثر من مؤلمة وخلّفت أثراً لا يمكن محوه بسهولة. لكن المهم أنها لم تكن قاصمة برغم الغبار الإعلامي العربي والدولي الكثيف الذي أعقبها. وهدف، من جملة ما هدف، إلى إشاعة الإحباط وتعميمه، فضلاً عن التعمية على حقائق الميدان الصلبة التي يتأكد يوماً بعد آخر أنها عصيّة ليس على الكسر فحسب، بل على الاهتزاز مهما اتّسع العدوان أو امتدّ. فالمهم الذي لا مهمّ غيره أن العدوّ لم ينجح، بالرغم من جلل المصاب اللبناني والعربي والتحرري وقساوته في خسارة القائد التحرري التاريخي الشهيد السيّد حسن نصر الله، في تحقيق الأهداف التي رمى إليها. وها هو اليوم، ومن بعد النشوة التي لم تعمّر طويلاً، يكافح، مستعيناً، كعادته، بوليّه الأميركي لإخراجه من ورطة عجزه الميداني، ومحاولة البناء على الضربات لصرفها في حربه الإبادية ضد مقاومة أصيلة وعصيّة قررت ألا تتراجع مهما غلت الأثمان أو عظمت التضحيات. وها هي تمضي في تصعيد المواجهة ومراكمة إنجازات الصمود ومعها التصدي وتتهيّأ لمرحلة ما بعد الإيلام التي لمّح إليها الأمين العام للمقاومة الجديد الشيخ نعيم قاسم.
حراك اليوم، الأميركي، عبر موفدَيْه وتابعيه من عرب الخسّة والهوان، وتجدّد «اللغو» عن مشروع «وقف النار المشروط» يأتي في سياق عجز العدوّ عن تثمير ضرباته أو البناء عليها. وهو محاولة جديدة وخبيثة للوصول عبر الخداع والسياسة والتهويل والترهيب إلى ما استحال ويستحيل بالميدان. فالعجز الإسرائيلي عن التثمير المنشود، والذي يأخذ شكل المراوحة الميدانية والسياسية، وتالياً السقوط في فخ الاستنزاف بملامحه الأولية البادية، سيجعل العدوّ أكثر انكشافاً أمام المقاومة التي ترفع من وتيرة توجيه الضربات المؤلمة كمّاً ونوعاً وجغرافياً. وإنّ من شأن العجز عن التثمير السياسي الذي يسعى إليه العدوّ، مستعيناً براعيه الأميركي وأدواته العربية القذرة، أن يفرّغ ضربات «أيلول الأسود» المؤلمة بالكامل ويجعلها ضربات في الفراغ، وخصوصاً أن الأدلّة تتزايد على تمكّن المقاومة من استيعاب الضربات واحتواء آثارها «الزلزالية» كمرحلة أساسية من مراحل التعافي، وهو ما يشرّع الباب أمام «تجويف» كل ما تحقق إسرائيلياً، فضلاً عن تعميقه لأزمة محور الحرب والعدوان الذي يجب تكرار التذكير بأنه لا يقتصر على الأميركي وأداته الإسرائيلية، بل يضم حشداً دولياً وعربياً يفوق حشد كل الحروب السابقة وبشكل خاص حرب عام ٢٠٠٦.
تملك المقاومة برنامجاً مركّباً يجعلها مدركة لأهدافها ولما هو أبعد من الأهداف التي يفترضها العدوّ. وفي برنامجها الذي رسمت كلمة الأمين العام للحزب الأخيرة بعض ملامحه خطوات أكثر تقدماً وأبعد هدفاً. وبالنسبة إلى المقاومة، وعلى ما توضح رسائل الميدان الملتهب، فإن رهان الاستنزاف هو مجرد بند فرعي في هذا البرنامج المثقل بالمفاجآت التي لم تظهر بعد، وإن كان ينطوي، في ترجمته، على ما هو أعمق من الاستنزاف التقليدي وأبعد. فالمقاومة، التي لم تدفع حتى اللحظة بأوراق قوتها الكثيرة، تقول للعدوّ ومن معه إن واقع الاستنزاف لا يزال في بداياته الأولى، وإن اكتماله المقرون بالضربات الاستراتيجية المدوّية آت وإن تأخر، وسيكون ذا أثر مباشر يطال إلى الإسرائيلي سيّده الأميركي. وإذا كان صحيحاً أن الإيقاع الحالي للمواجهة ممتاز، إذ يضيّق على العدوّ الذي يبدو محاصراً وعاجزاً ميدانياً وسياسياً، إلا أنه بالنسبة إلى المقاومة لا يعدو أن يكون مجرد محطة في مسار سيتصاعد أكثر فأكثر. وإن التقدم بالاستنزاف وإلى ما بعده سيفرض على الجميع، وفي مقدّمهم العدوّ ورعاته، إعادة القراءة واكتشاف حقيقة أن المقاومة لم تكتف باستعادة الزمام وحسب، بل ها هي تتقدم وبثبات متدرج ومدروس نحو ما هو أبعد. وثمة ما يوحي بأن المقاومة القابضة على أوراق القوة، التي لم تكشف بعد، لن تكتفي في هذه المرحلة المتقدمة من عمر الحرب بالمزاوجة بين الإيلام والاستنزاف المفتوح، بل هي بصدد الارتقاء بالمواجهة وتعميق الضربات وصولاً إلى فرض شروطها على العدو، وأقلّ هذه الشروط فرض التراجع والتسليم بحقائق الميدان الصلبة والمنيعة.
يبقى أن المهم اليوم وغداً وبعده أن فصائل المقاومة التي تخوض، شبه وحيدة، إذا ما استثنينا الحليف والصديق والداعم الإيراني، معركة الأمة وأحرار العالم هي اليوم، ومن بعد درس الضربات وما رافقها وسبقها وتلاها من خداع ومكر على درجة عالية من التنبّه والإدراك والوعي الثوري العميق لمخططات الأميركي الخبيثة. وقد قررت، على ما تدلّ القراءة الموضوعية، ألّا تتهاون بعد اليوم مع أيّ محاولة هي في الواقع امتداد للحرب وجزء أصيل منها، ولو ارتدت اللبوس اللبناني البالي إيّاه، المستحضر من خزائن عام ١٩٨٢ البائد.
