في انتظار الجلاء نتائج المعركة الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة خلال الساعات المقبلة، تتفاوت التقديرات في شأن تبعات تلك المعركة على قضايا الشرق الأوسط، بخاصة حربي لبنان وغزة، وحول توجهات الناخبين الأميركيين ذوي الأصول العربية والمسلمة، وتحديداً في ولاية ميشيغان، ذات الـ15 صوتاً في المجمع الانتخابي، مع تحولهم إلى أحد أهم عناوين الاستقطاب بين مرشحة الحزب الديموقراطي، والنائبة الحالية للرئيس، كامالا هاريس، ومرشح الحزب الجمهوري، والرئيس السابق، دونالد ترامب.
الصوت العربي والمسلم: نقطة قوة لترامب؟
عكست زيارة ترامب إلى ميشيغان، قبل أيام، ولقائه بعدد من أئمة وقادة الجالية المسلمة، وما قابلها من كلمة ألقتها هاريس من إحدى كنائس الولاية التي تضم قرابة نصف مليون أميركي من أصول عربية، 70 في المئة منهم في سن التصويت (18 عاماً أو أكثر)، إدراك الرجل المعروف بمواقفه المناوئة للعرب والمسلمين (ومنها قراره إبان ولايته الرئاسية حظر السفر من بعض البلدان الإسلامية إلى الولايات المتحدة) أهمية استمالة هذه الفئة التصويتية الوازنة. ويأمل ترامب انتزاع بضعة آلاف من أصوات القواعد الناخبة التقليدية للحزب الديموقراطي، كالعرب والمنحدرين من أصول أفريقية ولاتينية، باستغلال تململ قطاع كبير منهم من أداء إدارة بايدن - هاريس، لا سيما أنّ استطلاعاً للرأي أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» و«كلية سينا» يظهر تقارب نسب التصويت له ولمنافسته في الولايات المتأرجحة السبع. إذ تتقدم هاريس بفارق ضئيل في ولايتي ويسكونسن وكارولينا الشمالية، في حين يتفوق ترامب على المرشحة الديموقراطية في ولاية أريزونا، على وقع بقاء هامش المنافسة ضمن أضيق الحدود والهوامش بين المرشحين في ولايات جورجيا (48% لهاريس مقابل 47% لترامب)، وبنسلفانيا (48% مقابل 48%)، وميشيغان (47% مقابل 47%).
وفي إطار المنافسة على الصوت العربي والمسلم، نضح كلام هاريس لأبناء الجالية العربية والمسلمة في ميشيغان، بإشارات عن معاناة المدنيين في غزة ولبنان، فيما حملت تصريحات ترامب من الولاية نفسها، حين حل ضيفاً على مقهى «غريت كومونر» المملوك لعائلة من أصول لبنانية، طابع المداهنة حين قال إنّ «لدينا شعوراً رائعاً تجاه لبنان»، معتبراً أنّه «علينا أن ننهي كل هذا الأمر... نريد أن يكون لدينا سلام». وهي مواقف كرّرها في وقت لاحق خلال مقابلة مع قناة «العربية»، أشار فيها إلى أنّ «لديّ عدداً من الأصدقاء العرب»، مضيفاً أنّ العرب هم «أناس على قدر كبير من الود، واللطف... وأنّ ما يجري في بلدانهم أمر مخجل». هذا، وتشير تقديرات إلى أنّ ما نسبته 29.4 في المئة من المسلمين الأميركيين ينوون التصويت لكامالا هاريس، ونسبة موازية منهم تفضّل مرشحة «حزب الخضر» جيل شتاين، في حين أنّ ما نسبته 11.2 في المئة من مسلمي أميركا تميل إلى التصويت لترامب. وفي السياق نفسه، كشف استطلاع للرأي، نشره «مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية» (كير) يوم الجمعة، أنّ 41 في المئة من المسلمين يعتزمون التصويت لمرشحة الحزب الديموقراطي، مقابل 10 في المئة منهم فقط يعتزمون التصويت للمرشح الجمهوري.
يترقّب نتنياهو نتائج الانتخابات «لتقدير مدى الحرية التي يمكن أن يمنحه إياها» الرئيس المقبل
وفي محاولتها فهم إستراتيجية حملة ترامب في ما يخص الناخبين العرب والمسلمين، تشير صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أنّ «الانعطافة التي يسجلها الرئيس السابق تكشف عن حسابات سياسية واضحة»، مبينة أنّه «في ظل تعادل طرفي السباق الرئاسي إلى حد كبير، فقد ينتهي الأمر بأحدهما إلى الفوز أو الخسارة بأصوات حفنة من الأميركيين المسلمين، الذين قال ترامب إنهم غالباً ما فشلوا في الاندماج في الثقافة الأميركية». وتضيف الصحيفة الأميركية أنّ «ترامب يستغل ضعف (شعبية) الديموقراطيين في أوساط الأميركيين العرب والمسلمين على خلفية دعم إدارة جو بايدن للهجوم الإسرائيلي على غزة».
كذلك استعرضت «نيويورك تايمز» عينة من آراء الجالية العربية والمسلمة المنقسمة حيال الانتخابات الرئاسية. فمن جهته، أعرب بشارة بحبح، وهو مسيحي فلسطيني، سبق له العمل كأستاذ سياسة عامة، وصوّت لمصلحة بايدن عام 2020، عن سخطه إزاء دعم إدارة الأخير للحرب في غزة، كاشفاً أنّ هذا الأمر كان دافعاً له كي يقوم هذا الصيف بتأسيس منظمة «عرب أميركيون من أجل ترامب»، مؤكداً رهانه على أنّ «لهجة الرئيس السابق (دونالد ترامب) قد تغيرت». وفي الاتجاه نفسه، يذهب وليد فيدامة، وهو أميركي من أصول يمنية، ويدير منظمة سياسية محلية تعنى بالعلاقات اليمنية - الأميركية في ولاية ميشيغان، إلى «أننا نمنح الجمهوريين فرصة»، مبدياً شعوره بالإحباط من تصويته لمدة طويلة لمصلحة المرشحين الرئاسيين عن الحزب الديموقراطي، بمن فيهم هيلاري كلينتون في عام 2016 وبايدن عام 2020. بدورها، توضح مديحة طارق، وهي أميركية من أصول باكستانية تقيم في ميشيغان، أنها لا تعتقد أن ترامب قد غير بالفعل وجهات نظره حيال العرب والمسلمين، مشيرة إلى أنّ الرجل، وبكل بساطة «يحاول أن يصنع فرصة من هذا المناخ» في إشارة إلى أثر حربي غزة ولبنان على الأميركيين من أبناء الجالية العربية والمسلمة. والموقف نفسه يتبناه مدعي عام ولاية مينيسوتا، كيث إليسون، الذي يعد أوّل عضو كونغرس مسلم، إذ يشير إلى أن ترامب يعتقد أنه يستطيع «خداع» المسلمين، مرجعاً الخطاب الودّي المستجد لديه إلى «حسابات سياسية مدروسة»، وليس بالضرورة إلى كونه أصبح «أكثر استنارة».
غزة ولبنان: نتنياهو ينتظر قدوم ترامب
وبالحديث عن الآثار المحتملة لنتائج الانتخابات الأميركية على مستقبل الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة ولبنان، يشير محللون غربيون إلى أنّ رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، يترقّب تلك النتائج، «لتقدير مدى الحرية التي يمكن أن يمنحه إياها» الرئيس الأميركي المقبل. وفي هذا الصدد، تلفت الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط في «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية»، إيلّي غيرانمايي، إلى أنه «في حال فوز ترامب الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، فمن المحتمل أن يميل لمصلحة (أهواء) القيادة الإسرائيلية عبر الدفع نحو المزيد من الضربات العسكرية داخل طهران»، مضيفة أنّ «هذا الأمر سوف يضيّق الخناق على إيران ويشجّع نتنياهو، على نحو يجعل من فرص التوصل إلى تهدئة في غزة ولبنان أكثر صعوبة». وتتابع غيرانمايي أنّه «إذا ما تم انتخاب هاريس، فإنّه من غير المرجح أن تعمد الولايات المتحدة إلى تخفيض دعمها المالي والعسكري لإسرائيل»، مستدركة بالقول إنّ المرشحة الديموقراطية سوف «تسعى على الأرجح إلى الحفاظ على استمرارية نهج بايدن، سواء لناحية الدفع نحو التوصل إلى اتفاقات خفض التصعيد في جميع أنحاء المنطقة»، بخاصة في غزة، ولبنان، أو لناحية «تهدئة التوترات، ومنع اندلاع حرب شاملة» مع إيران، وذلك في موازاة العمل على «إعادة تركيز الموارد (العسكرية والمالية) الأميركية في مناطق أخرى» حول العالم.
وفي الإطار عينه، يعتبر ناداف شتراوكلر، وهو مستشار سياسي وإستراتيجي سابق لنتنياهو، أنّ «التصور العام هو أن ترامب سيفعل المزيد من أجل نتنياهو»، مستنتجاً أن هذا هو السبب لتفادي الأخير القيام بأي «خطوات كبرى» قبل الإعلان عن نتائج الانتخابات الأميركية، في إشارة إلى تلميح ترامب مراراً إلى قبوله السيطرة الإسرائيلية الطويلة الأمد على أجزاء من غزة، فضلاً عن توسيع العمليات العسكرية الإسرائيلية في كل من لبنان وإيران، وهو ما يشتهيه الائتلاف الحكومي في تل أبيب.

