مصر تبحث عن فرص في الأزمة: بدائل «هرمز» ليست جاهزة

القاهرة | برزت مصر مجدداً، عقب إغلاق مضيق هرمز، كنقطة عبور محتملة في خريطة الطاقة بين الشرق الأوسط وأوروبا، وتحديداً خطّ أنابيب «سوميد» الممتدّ من العين السخنة على خليج السويس إلى «سيدي كرير» على البحر المتوسط. وبحسب مصادر مطّلعة في قطاع الطاقة المصري تحدّثت إلى «الأخبار»، فإن القاهرة عقدت «مشاورات مكثفة» مع الرياض وعدد من العواصم الخليجية، لبحث سيناريوات التعامل مع الأزمة الحالية، لا سيما في ظلّ المخاوف من استمرار تعطّل الملاحة في «هرمز»، والذي سيؤدّي إلى إرباك شامل لحركة الإمدادات العالمية.
ووفقاً للمصادر، تتركّز هذه المناقشات على كيفية الاستفادة من البنية التحتية القائمة في المنطقة، سواء عبر خطوط الأنابيب أو عبر ترتيبات لوجستية بديلة، للالتفاف على الحظر الإيراني المفروض على «هرمز»، ومحاولة ضمان استمرار تدفق الطاقة نحو الأسواق الدولية، وعلى رأسها أوروبا التي تتابع ما يجري بقلق واضح. وفيما تحاول مصر أن تستفيد من موقعها الجغرافي والبنية التحتية التي تملكها لنقل النفط عبر أراضيها، واستئناف ضخّ الغاز بأكبر كميات ممكنة لأوروبا، تقرّ المصادر بأن «عقبات كبيرة» لا تزال قائمة بالفعل على طريق تحقيق هذه الغاية.
على أن التحركات المصرية لا تقتصر على البحث عن دور في نقل الطاقة إلى الأسواق العالمية؛ إذ تواجه القاهرة في الوقت نفسه تحدياً داخلياً يتعلق بتأمين احتياجاتها من الغاز الطبيعي خلال المرحلة المقبلة. فمع اتساع رقعة الحرب في المنطقة، توقفت بالفعل إمدادات الغاز القادمة من إسرائيل - والتي كانت خلال السنوات الأخيرة أحد المصادر المهمة التي تعتمد عليها مصر لتغذية جزء من احتياجاتها الصناعية وتشغيل محطات الإسالة، ممّا أدى إلى زيادة الضغوط على منظومة الطاقة المحلية.
ورغم تأكيد الحكومة المصرية أن الإمدادات للمصانع والقطاعات الحيوية ستظلّ «مستمرة»، وأن ثمّة «خططاً» لإدارة الاستهلاك خلال المدة المقبلة، تقول المصادر إن دوائر الطاقة المصرية تدرك أن هامش المناورة المتاح لها «محدودٌ»، خصوصاً إذا استمرّت الحرب لمدة أطول؛ إذ لا تمتلك البلاد احتياطيات كبيرة من الغاز الجاهز للتشغيل الفوري، في وقت تحتاج فيه زيادة الإنتاج المحلي إلى وقت واستثمارات إضافية. وفي هذا الإطار، يجري العمل على أكثر من مسار لتأمين الإمدادات خلال الأشهر المقبلة، سواء عبر استيراد شحنات إضافية من الغاز الطبيعي المسال أو عبر التنسيق مع شركاء إقليميين، من بينهم السعودية، لتوفير بدائل مؤقتة تضمن استقرار السوق المحلية.
تراهن الرياض على عامل بقاء غالبية منشآت الغاز خارج دائرة التصعيد العسكري
وبالفعل، حصلت القاهرة على ضمانات من الرياض بعدم تصدير كميات كبيرة من النفط إلى أوروبا، من دون تلبية احتياجات السوق المصرية، وذلك لتجنّب حدوث انقطاعات واسعة في الكهرباء، وفقاً للمصادر. أما بشأن الغاز، فتكشف المصادر أن الاتصالات الجارية بين الجانبين تبحث خيارات غير تقليدية لنقل الغاز في حال استمرّت القيود على حركة الشحن البحري. ومن بين الخيارات المطروحة، إنشاء «جسر بري» لنقل الغاز عبر الشاحنات أو وسائل النقل البرية، وهو سيناريو قد يبدو مكلفاً مقارنة بالطرق التقليدية، لكنه يبقى مطروحاً في ظلّ الظروف الاستثنائية التي فرضتها الأزمة.
وبحسب المعلومات، فإن هذا الجسر قد يشمل، إلى جانب السعودية ومصر، دولاً أخرى في الخليج من مثل قطر والكويت، مما يفتح الباب، رغم الصعوبات اللوجستية الراهنة، أمام إمكانية إنشاء شبكة نقل إقليمية مؤقتة تضمن استمرار تدفّق الإمدادات إلى المناطق الأكثر احتياجاً. وفي حال تكامل هذا المسار مع خط «سوميد»، فهو قد يتيح، في أفضل السيناريوات وعند التشغيل بالطاقة القصوى، تعويض ما يصل إلى نحو 25% من الكميات التي كانت تمرّ يومياً عبر «هرمز».
وفي غضون ذلك، تراهن الرياض على عامل بقاء غالبية منشآت الغاز خارج دائرة التصعيد العسكري، نظراً إلى حساسية هذه المنشآت وتأثيرها المباشر في أمن الطاقة العالمي. وهي ترى أنه في حال بقيت البنية التحتية للطاقة في الخليج خارج دائرة الاستهداف، فإن ذلك قد يمنح الدول المنتجة مساحة أكبر للمناورة في إعادة توجيه صادراتها عبر مسارات بديلة. وفي هذا السياق، تبرز أهمية خطوط الأنابيب الإقليمية، من مثل خط شرق - غرب السعودي الذي ينقل النفط إلى البحر الأحمر، وخط حبشان - الفجيرة الإماراتي الذي يسمح بتصدير الخام إلى بحر عُمان بعيداً عن مضيق هرمز.
غير أن هذا المسار يواجه هو الآخر تحديات أمنية مرتبطة بتهديدات حركة «أنصار الله» في اليمن، ممّا يجعل إمكانية تشغيله والاعتماد عليه بشكل كامل محدودة في الوقت الراهن. وعلى هذه الخلفية، يبقى خط «سوميد» في مصر أحد المكونات الأساسية في هذه المنظومة البديلة؛ إذ يتيح نقل النفط القادم من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، ومنه إلى الأسواق الأوروبية التي تبحث عن طرق أكثر أماناً للحصول على احتياجاتها من الطاقة.
وعلى أي حال، تبقى تلك البدائل غير قادرة على تعويض كامل الكميات التي كانت تمرّ عبر مضيق هرمز، قبل أن تشنّ الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران.

