حرب المستوطنين الموازية: ستة شهداء في الضفة خلال آذار
يتصاعد العنف الاستيطاني في الضفة الغربية، وسط حماية رسمية من سلطات الاحتلال، ما أسفر عن استشهاد ستة فلسطينيين خلال آذار وتزايد الاعتداءات على القرى والتجمعات السكانية. ويأتي ذلك في إطار سياسات تهدف إلى توسيع الاستيطان وفرض واقع الضم وتهجير الفلسطينيين.


تشهد الضفة الغربية المحتلة تصاعداً ملحوظاً في اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، تحت ظلال العدوان الأميركي - الإسرائيلي المستمرّ على إيران ولبنان، علماً أن هذه الاعتداءات لم تتوقف أساساً خلال عامَي الحرب المتواصلة على قطاع غزة. ويبدو هذا العنف مرشّحاً للاستمرار، مع ازدياد الحماية الرسمية التي توفّرها سلطات الاحتلال للمستوطنين، وسريان القوانين الأحدث التي أقرّتها تلك السلطات، سواءً في «الكنيست» أو الحكومة المصغّرة (الكابينت)، والتي من شأنها فرض واقع الضمّ في الضفة الغربية. إذ أسهمت هذه القوانين، إلى جانب تغطية جيش العدو للمعتدين، في انفلات اعتداءات ما بات يوصف بـ«جيش المستوطنين» على الفلسطينيين، والتي تتكامل مع السياسات الإسرائيلية الرامية إلى توسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية، وتهجير الفلسطينيين من أرضهم.
وبحسب المعطيات الميدانية، فقد ترافقت هجمات المستوطنين في أنحاء متفرّقة من الضفة، مع تزايد استخدام الأسلحة النارية، ممّا أدّى إلى استشهاد ستة فلسطينيين منذ بدء العدوان على الجمهورية الإسلامية. وفي التفاصيل، استشهد محمد معمر (52 عاماً) وشقيقه فهيم (48 عاماً) في 2 آذار، فيما أصيب ثلاثة آخرون في قرية قريوت جنوب نابلس. وفي 7 آذار، استشهد أمير شناران (27 عاماً) وأصيب شقيقه خالد في أثناء رعيهما الأغنام في منطقة وادي الرخيم في مسافر يطا جنوب الخليل. أما في 8 آذار، فاستشهد كلّ من ثائر فاروق حمايل (24 عاماً)، وفارع جودت أبو نورة (57 عاماً)، إضافة إلى محمد مُرّة (55 عاماً) الذي قضى نتيجة استنشاقه الغاز المسيل للدموع الذي أطلقه جنود الاحتلال لتأمين حماية للمستوطنين خلال هجومهم على قرية أبو فلاح شمال شرق رام الله، حيث أصيب أربعة فلسطينيين آخرين أيضاً.
نفّذ المستوطنون 192 اعتداءً خلال أسبوعي الحرب
وبحسب منظمة «بتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية، فإن جميع حالات قتل الفلسطينيين على أيدي المستوطنين التي تمّ الإبلاغ عنها خلال العام الجاري، وقعت في الأسبوع الأول من آذار. وأشارت المنظمة إلى أن عصابات المستوطنين المسلّحة «تستغل الحرب، وغالباً ما تعمل بدعم من الجيش، لتواصل مهاجمة الفلسطينيين ومضايقتهم في أنحاء الضفة الغربية، في محاولة لإجبارهم على الرحيل».
وفي الوقت الذي تتابع فيه الحكومة الإسرائيلية إقرار عطاءات استيطانية جديدة، يستمرّ المستوطنون في تنفيذ اعتداءات على الفلسطينيين وتجمعاتهم السكانية. كما أسهمت إجراءات جيش العدو على الأرض، وعلى رأسها نصب البوابات الحديدية وإقامة الحواجز العسكرية على مداخل القرى والمدن، في توفير بيئة تسهّل حركة المستوطنين وتمنحهم غطاءً إضافياً لممارسة العنف. وفي هذا الإطار، رصد تقرير صادر عن «هيئة مقاومة الجدار والاستيطان» تنفيذ المستوطنين 192 اعتداء خلال أسبوعي الحرب. وتركزت هذه الاعتداءات في محافظة الخليل بـ47 اعتداء، تلتها طوباس بـ42، ونابلس بـ35، وبيت لحم بـ14 اعتداءً، والقدس بـ12، إضافة إلى هجمات أخرى في سلفيت وأريحا وقلقيلية. وأدت هذه الغزوات إلى تهجير أربعة تجمعات بدوية قسراً، ملحقةً أضراراً بـ37 عائلة تضمّ 191 شخصاً، بينهم 65 امرأة و106 أطفال.
وتشير بيانات مراكز رصد العنف الاستيطاني إلى أنه منذ بدء الحرب على قطاع غزة في تشرين الأول 2023، قتلت إسرائيل في الضفة نحو 1041 فلسطينياً، فيما أردى مستوطنوها ما لا يقلّ عن 27 فلسطينياً، إضافة إلى 14 آخرين قضوا في حوادث لم يُحسم ما إذا كان منفذوها مستوطنين أم جنوداً. كذلك، ذكرت الأمم المتحدة، في بيان صدر في تشرين الثاني 2025، أنه تمّ تسجيل 757 هجوماً استيطانياً خلال النصف الأول من عام 2025 وحده، وهو رقم يزيد بنسبة 13% مقارنة بالمدة نفسها من العام السابق.
ومع تفشّي عنف المستوطنين المنظّم والممنهج، يعيد توسّع الوجود الاستيطاني على حساب ذلك الفلسطيني، إلى الأذهان المراحل الأولى للاستيطان قبل عام 1948، حين بدأ المستوطنون الأوائل إزاحة الفلسطينيين وصولاً إلى تهجيرهم عبر المجازر التي مثّلت أحد أسباب النكبة. وبالتوازي مع التوسّع الاستيطاني في تلك المدة، ظهرت منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي عصابات استيطانية، أبرزها «فتيان التلال» التي تأسست عام 1998، وتتبنى توجّهات يمينية متطرفة متمحورة حول ما يسمى «الوعد الإلهي» لليهود بمنحهم «أرض إسرائيل»، وتسعى إلى طرد الفلسطينيين من مناطقهم عبر الاعتداءات والعنف.
وإلى جانب «فتيان التلال»، تنشط عصابات أخرى من مثل «تدفيع الثمن» و«وحوش التلال»، فضلاً عن «وحدات الدفاع الإقليمي» المعروفة باسم «هاغمار»، وهي وحدات ذات طابع رسمي مكلّفة بمسؤولية «أمن» المستوطنات. ويُقدَّر عدد أفراد «هاغمار» بنحو ثمانية آلاف جندي، دجّجتهم سلطات الاحتلال بالسلاح، ليؤدوا قسطهم في تسهيل جرائم المستوطنين وتغطيتها والمشاركة فيها.
على أن العنف الاستيطاني الحالي، ليس طارئاً ولا جديداً؛ فالذاكرة الفلسطينية حافلة بصور هذا القهر، منذ اختطاف الطفل المقدسي محمد أبو خضير وتعذيبه وحرقه حياً في 2 تموز 2014، إلى حرق عائلة دوابشة في منزلهم في قرية دوما جنوبي نابلس شمالي الضفة الغربية في 31 تموز 2015. وفي مقابل هذا العنف الاستيطاني المستشري، الذي يتخذ الآن أشكالاً جديدة أشدّ عنفاً، يجد الفلسطينيون أنفسهم عزلاً وعراة، فيما السلطة التي يُفترض أنها تمثّلهم تستنكف عن ممارسة أيّ دور لحماية سيادتها بحماية المواطنين والقرى والمدن من هجمات المستوطنين. وحتى في حال لجوء الفلسطينيين إلى القانون، فإنهم يتوجهون إلى «المحكمة العليا الإسرائيلية» التي بالضرورة تنحاز إلى المستوطنين، وإلى سياسات إسرائيل الساعية إلى تفريغ الضفة من سكانها. وأمام هذا الواقع، لن يكون أمام الفلسطينيين سوى التمسّك بالأرض، وببعض ما توفره، من عصي وحجارة، وأجساد غالباً ما يخترقها رصاص الجنود، والآن رصاص المستوطنين.
