«رافال» المصرية إلى الإمارات: السيسي يسترضي أبو ظبي... رمزياً
يعكس نشر «رافال» المصرية في الإمارات خطوة سياسية لاحتواء التوتر مع أبو ظبي أكثر من كونه تحركاً عسكرياً. يأتي هذا فيما تحرص القاهرة على إبقاء وجودها محدوداً، مع موازنة بين دعم أمن الخليج من جهة وتجنّب التصعيد مع إيران من جهة أخرى.


القاهرة | رافق زيارةَ الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أول من أمس، إلى أبو ظبي، ظهور علني للتشكيل الجوي المصري في العاصمة الإماراتية، في ما يعكس محاولة لاحتواء التململ الخليجي ممّا تقول دول الخليج إنه «انحياز مصري» إلى الجانب الإيراني. وعلى الرغم من أن الزيارة تخلّلتها أيضاً جولة على «المفرزة القتالية الجوية» المصرية المنقولة إلى هناك، فإن مجرياتها لم ترتقِ إلى مستوى إعلان اصطفاف عسكري كامل أو انخراط مباشر في أيّ مواجهة إقليمية، علماً أن استخدام توصيف «المفرزة» يوحي بوجود محدود ذي طابع دفاعي وتأميني، لا بنشر قوة هجومية واسعة أو المشاركة في عمليات قتالية معلنة.
وتأتي هذه التطورات عقب حملات تضييق طاولت العمالة المصرية في الإمارات، بتأثير من التوتر السياسي بين البلدين. ومع أن زيارة السيسي بدّلت نبرة الخطاب السياسي والإعلامي الإماراتي تجاه القاهرة، بالتوازي مع عودة التنسيق الأمني والعسكري إلى الواجهة، أظهرت مصر حذراً واضحاً في خطواتها؛ إذ بحسب ما يتردد في الأوساط السياسية والإعلامية المصرية، جرى توجيه وسائل الإعلام ب«عدم التوسع في تناول تفاصيل الوجود العسكري المصري في الإمارات، والاكتفاء بالبيانات الرسمية والصور المحدودة».
وتعزو مصادر مصرية، في حديثها إلى «الأخبار»، هذا الحذر إلى اعتبارَين أساسيين: الأول، تجنب فتح نقاش داخلي بشأن طبيعة انتشار القوات المصرية خارج الحدود؛ والثاني، إبقاء التحرك ضمن إطار «التعاون الدفاعي» ومنع إدخاله في سياق التصعيد الإقليمي. ورغم هذا التحفظ الإعلامي، تتحدث المصادر عن ترتيبات مماثلة في دول خليجية أخرى، بينها الكويت، بما يتجاوز الساحة الإماراتية إلى إعادة تنشيط محسوبة للحضور العسكري المصري في الخليج.
تبدو القاهرة حريصة على إبقاء طبيعة المهمة غامضة نسبياً
وترجّح المصادر أن أحد الأسباب الرئيسة لاستخدام توصيف «مفرزة قتالية» يرتبط بحسابات دستورية وقانونية داخلية؛ فالدستور المصري - بعد عام 2014 - وضع قيوداً واضحة على إرسال قوات قتالية إلى الخارج، وربط أيّ انخراط عسكري واسع بموافقة مجلسَي النواب و«الدفاع الوطني»، وخصوصاً في حالات الحرب أو العمليات القتالية المعلنة. وبحسب المصادر، فإن توصيف «المفرزة» ذات الطبيعة الدفاعية أو التأمينية «يمنح المؤسسة السياسية هامش حركة أوسع، باعتبار أن الانتشار يندرج ضمن إطار التعاون العسكري أو التأمين المشترك، لا ضمن مفهوم التدخل العسكري الكامل».
هكذا، تبدو القاهرة حريصة على إبقاء طبيعة المهمة غامضة نسبياً، في ما يبدو جزءاً من إدارة سياسية للملف، تعزوها المصادر نفسها إلى «إدراك مصر أن إعلان أيّ دور قتالي مباشر في الخليج قد يضع القاهرة في قلب التوتر القائم بين طهران وبعض العواصم الخليجية»، وهو ما تحاول الأولى «تجنبه منذ سنوات»، مفضّلةً الحفاظ على دور أقرب إلى «الضامن الإقليمي» أو الشريك الدفاعي.
أمّا على الصعيد العسكري، فيحمل وجود مقاتلات «رافال» في تلك «المفرزة»، دلالة تتّصل، وفقاً للمصادر، بـ«طبيعة التهديدات الراهنة»، وعلى رأسها «تهديدات الطائرات المسيّرة والصواريخ البعيدة المدى»، والتي تقتضي إيصال رسالة «بالجاهزية والقدرة على الاندماج السريع داخل أيّ شبكة دفاع جوي مشتركة». وإلى جانب البعد العسكري، تقول المصادر إن اختيار إرسال مفرزة محدودة من المقاتلات الفرنسية يعكس «رغبة في إثبات حضور رمزي وعملياتي في آن واحد، نظراً إلى أن هذه الطائرات هي الأحدث والأكثر تطوراً في سلاح الجو المصري، فيما يَسهل تشغيلها داخل الإمارات - التي تمتلك الطائرة نفسها -، وذلك لنواحي التنسيق والدعم الفني والتدريب المشترك».
وفي المحصلة، تبدو مصر وكأنها تحاول الجمع بين مسارين متوازيين: تأكيد التزامها التقليدي بأمن الخليج باعتباره جزءاً من «الأمن القومي العربي» وفق ما تروّج له، والحفاظ، في الوقت نفسه، على مساحة من التوازن السياسي مع إيران، بعيداً من الانخراط الكامل في الاستقطاب الإقليمي. ويأتي ذلك بالتوازي مع حديث متزايد عن جولات خليجية محتملة للرئيس المصري خلال الفترة المقبلة، بعد انتهاء ارتباطاته المعلنة، والتي تشمل زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى القاهرة، ثمّ مشاركة السيسي في القمة الفرنسية - الأفريقية في نيروبي.
