«التعويض» في غزة ولبنان لن ينقذ نتنياهو

تتزايد في الأوساط السياسية والأمنية في إسرائيل، التقديرات بأن الاتفاق المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران، بصيغته الحالية، يشكّل نتيجة سلبية لتل أبيب، بل ويمنح طهران موقع «الفائز» في المواجهة الأخيرة، ولو بصورة غير مباشرة. فمجرّد خروج إيران من الحرب بشعور «النجاة»، يفتح الباب أمام إعادة ترميم قدراتها العسكرية وتعزيز نفوذ حلفائها، ولا سيما في لبنان وقطاع غزة، ما يجعل الساحة اللبنانية اختباراً مباشراً لمدى قدرة إسرائيل على فرض قواعد اشتباك جديدة.
وبالعودة إلى مجريات الحرب على إيران، تذهب تقديرات استخباراتية إسرائيلية إلى أن فرصة إضعاف النظام الإيراني، كانت متاحة في بداية الحملة، في ما لو دعمت الولايات المتحدة وقتذاك خططاً إسرائيلية لتسليح قوى كردية داخل الجمهورية الإسلامية. إلّا أن هذه الخطط أُحبطت في اللحظة الأخيرة، وذلك نتيجة ضغوط تركية مباشرة على ترامب، وفق ما كشفه مصدر استخباراتي إسرائيلي رفيع.
أمّا اليوم، فتتركز المخاوف الإسرائيلية على طبيعة الاتفاق الجارية بلورته، والذي يُرجّح أن يكون مؤقتاً وإطارياً، وأن يشمل تمديد وقف إطلاق النار، وفتح مضيق هرمز، وتخفيفاً محدوداً للعقوبات، من دون معالجة حاسمة للملف النووي، ولا سيما مخزون اليورانيوم العالي التخصيب. وترى تل أبيب أن تأجيل هذه القضية يمنح طهران أفضلية تفاوضية في المرحلة اللاحقة.
وفي هذا السياق، كشفت صحيفة «معاريف» أن رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، يرى في الاتفاق «كارثة حقيقية»، ويحمّل ترامب مسؤولية ما يعتبره «فشلاً استراتيجياً». وبحسب تقرير للمحلل بن كاسبيت في موقع «المونيتور»، يعيش نتنياهو حالاً من «الإحباط والشلل السياسي، في ظلّ عجزه عن التأثير في مسار التفاوض، وتراجع قدرته على المناورة داخلياً وخارجياً».
وتشير الكاتبة في صحيفة «معاريف»، آنا برسكي، من جهتها، إلى أن جميع الأطراف تسعى حالياً إلى «تجميد الصراع» لا حسمه، إذ تريد واشنطن تهدئة أسواق الطاقة، وتبحث طهران عن الوقت والموارد، فيما يفضّل الخليج استقرار الملاحة في مضيق هرمز. أمّا تل أبيب، فتجد نفسها أمام خيار «أقلّ سوءاً»، حيث يبدو الوضع الانتقالي أفضل من اتفاق نهائي سيّئ أو حرب إقليمية مفتوحة. ومع ذلك، تكمن المشكلة بالنسبة إلى إسرائيل في «منطق الاتفاق» لا في بنوده فقط. فحصول إيران على مكاسب اقتصادية وسياسية، مع تأجيل الحسم النووي، يعني أن الأخيرة ستدخل أيّ مفاوضات لاحقة من موقع أقوى، من دون أن تكون قد هُزمت فعلياً. وهو ما يتناقض مع الخطاب الإسرائيلي الداخلي الذي روّج لإمكانية «الحسم» أو حتى تغيير النظام. أيضاً، تثير بنود محتملة تتعلّق بلبنان قلقاً إضافياً في إسرائيل، خصوصاً إذا تضمّن الاتفاق التزاماً بوقف إطلاق النار على مختلف الجبهات، قد يقيّد حرية عمل الكيان ضدّ «حزب الله»، ويعيد إنتاج معادلة «الهدوء الهش» مع بقاء التهديد قائماً.
في هذا الوقت، يتزايد الحديث عن احتمال اضطرار نتنياهو إلى التنحّي والاستقالة، لتفادي خسارة الانتخابات المقبلة أو مواجهة تبعات قضايا الفساد. وتشير تقديرات عبرية إلى بحث مقرّبين منه خيار «صفقة إقرار بالذنب»، خصوصاً بعد تعثّر محاولات تأمين عفو رئاسي - من دون صفقة من هذا النوع - أو تمرير تشريعات تمنحه الحصانة. ويواجه نتنياهو معضلة مركّبة: فالاتفاق المؤقت يصعب تسويقه كإنجاز، والاتفاق السيّئ يضرّه انتخابياً، وفشل المفاوضات قد يعيد خطر التصعيد، فيما تبدو فكرة «التعويض» عبر تصعيد في غزة أو لبنان خياراً محفوفاً بالمخاطر، في ظلّ إنهاك المجتمع الإسرائيلي من الحروب المتتالية.
وفي المحصلة، تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس اتفاقاً حاسماً وليس انفجاراً واسعاً، بل «إدارة أزمة» طويلة: اتفاق مؤقت، وتهدئة نسبية، ثمّ عودة تدريجية إلى التوتر. وعبر هذا السيناريو، قد ينجح ترامب في تسويق «إنجاز» سياسي، وتكسب إيران الوقت وإعادة التموضع، فيما يجد نتنياهو نفسه مجدداً في موقع الدفاع، مطالَباً بتبرير نتائج لا ترقى إلى مستوى الوعود التي أطلقها.

