حملة قمع متعدّدة الساحات: السعودية تخشى تحوّل المزاج العام
تشهد السعودية تصعيداً لافتاً في سياسات تقييد الفضاء العام، داخلياً وخارجياً، مع توسّع حملات الملاحقة لتشمل منصّات التواصل الاجتماعي، في محاولة لاحتواء أي تبدّل محتمل في المزاج العام على وقع التحوّلات الإقليمية.


منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، سُجّل تصاعد كبير في موجات القمع في دول الخليج، ومن بينها السعودية التي شدّدت إجراءاتها ضدّ المعارضين والنشطاء تحت عناوين شتّى، متجاوزةً الساحات التقليدية لتكميم الأفواه إلى ساحات الإعلام الجديد، وعلى رأسها منصّات التواصل الاجتماعي، التي ينشط فيها المعارضون المقيمون في الخارج. وفي هذا السياق، وضعت المملكة كلّ ثقلها لطلب حجب وإغلاق حسابات تعود إلى أكثر من مئة معارض وناشط حقوقي ومنظمة تبثّ من خارج البلاد، وذلك بعدما كانت استهدفت مجموعة من صنّاع المحتوى في الداخل. وأعلنت «الهيئة العامة لتنظيم الإعلام» في السعودية، في 11 أيار الماضي، استدعاء 49 شخصاً من صنّاع المحتوى واتخاذ إجراءات بحقّهم، بذريعة ارتكابهم 68 مخالفة عبر حساباتهم على عدد من منصّات التواصل. كما هدّدت بأنها «لن تتوانى في رصد كلّ محتوى إعلامي مخالف واتخاذ الإجراءات النظامية بحقّه، إعمالاً لاختصاصاتها النظامية، والتزاماً بحماية الفضاء الرقمي من أي حملات مُمنهجة أو مضلّلة». وعلى الرغم من امتناع الهيئة عن توضيح طبيعة المخالفات المنسوبة إلى المستَدعين، يقول ناشطون، في حديثهم إلى «الأخبار»، إن الإجراءات المُتّخَذة بحق هؤلاء جاءت على خلفية منشورات عبّروا فيها عن تضامنهم مع الباحثين عن عمل، أو شاركوا تجاربهم الشخصية في ظلّ أزمة البطالة المستشرية في المملكة. ويضيف الناشطون أن من جرى استدعاؤهم «أُجبروا على حذف منشوراتهم، مع تحذيرهم من تكرار هذه الأفعال».
وأثارت تلك الخطوات ردود فعل مُندِّدة من جانب المنظمات الحقوقية، التي انتقدت تشديد السلطات السعودية قبضتها على النقاش العام في الفضاء الرقمي. وفي هذا الإطار، اعتبرت «منظّمة القسط لحقوق الإنسان» أن ما جرى يمثّل «تصعيداً مُقلِقاً ضدّ حرية التعبير»، يهدف إلى «ترهيب الأصوات الشابّة وتكميمها». إلّا أن منسوب الجدل سرعان ما ارتفع مع إعلان «الهيئة العامة لتنظيم الإعلام» استدعاء إعلامي بارز من دون الكشف عن هويته، وهو ما أثار تكهّنات باحتمال أن يكون المُستهدَف الإعلامي السعودي، داوود الشريان، كونه نشر مقطعاً مُصوّراً عبر حسابه على منصة «إكس»، قال فيه إن «الجيوش الإلكترونية هي صنيعة دول الخليج ومدفوعة من السلطات». وبالفعل، وبعد ساعات من ذلك، أعلن الشريان ابتعاده لفترة عن المنصّة من دون إيضاح الأسباب، في خطوة فُسّرت على أنها جاءت نتيجة ضغوط من جانب النظام. ويبدو ما حصل للشريان، وهو من المقرّبين من النظام، متّسقاً تماماً مع ما خلُصت إليه دراسة صادرة عن مركز «طوى» المتخصّص في الشؤون السعودية حول «الإعلام الموازي في السعودية»، إذ تشير الدراسة إلى أن السلطات تتيح أحياناً مساحات إعلامية تبدو ناقدة، لكنها سرعان ما تدمجها ضمن «بنية رأس المال والرقابة الناعمة، الأمر الذي يؤكد انعدام وجود المساحة الحرّة في السعودية، مقابل تعزيز هامشٍ مُراقَب، يستخدمه النظام لإعادة إنتاج خطابه بوجوه أكثر قبولاً».
تضمّنت الإشعارات المُرسَلة إلى أصحاب الحسابات المُقيّدة نسخة من مذكّرات صادرة عن «النيابة العامة» السعودية
على أن المملكة لم تكتفِ بتشديد الرقابة في الداخل، بل وسّعت نطاق ملاحقتها للمعارضين إلى الفضاء الرقمي العابر للحدود، حيث «تسعى لاستخدام أحدث التقنيات لمراقبة» مواطنيها، و«الاستفادة من التطوّرات التكنولوجية المتقدّمة» في تثبيت نظامها السياسي، وذلك وفق ما يذهب إليه نادر هاشمي، أستاذ سياسات الشرق الأوسط والإسلام في «جامعة جورج تاون». وفي هذا السياق، طلبت السعودية من منصّات أميركية للتواصل الاجتماعي حجب حسابات نحو 140 معارضاً سعودياً من الفضاء الإلكتروني للمملكة، وهو ما استجابت له تلك المنصّات. وبحسب بيانات «مركز الشفافية» التابع لشركة «ميتا»، تقدّمت السلطات السعودية بطلبات لتقييد 144 حساباً وصفحة وملفاً شخصياً على «فيسبوك» و«إنستغرام»، بذريعة انتهاك قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية. واستهدفت هذه الطلبات، تحديداً، حسابات تعود إلى «منظمة القسط» لحقوق الإنسان، والمعارضَين عمر عبد العزيز وعبدالله الجريوي، ورئيس «المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان» علي الدبيسي، وعبدالله العودة، كبير مستشاري السياسات في «اللجنة الأميركية لحقوق الشرق الأوسط» (ACMER). ويعتبر العودة، في تعليقه على ما تقدّم، أن «ميتا» باتت «تقوم فعلياً بتنفيذ أعمال السعودية القذرة ضدّ المقيمين في الولايات المتحدة بحجبها حسابات نيابةً عن حكومة لها سجلّ موثّق في إسكات المعارضة، لتصبح بذلك أداة قمع». وفي حديثه إلى «الأخبار»، يقول العودة إنه «حينما حُجبت بعض حسابات الحكوميين السعوديين ضجّت حساباتهم بالقول بأن هذا دليل القوة والتأثير وأن الحسابات في وسائل التواصل مُرعِبة، واليوم، تحاول الحكومة السعودية، وبشكل رسمي، استخدام مؤسّسات الدولة وميزانيتها لحجب حساباتنا وكتم أصواتنا». ويضيف أن خطوة السلطات السعودية «تؤشّر إلى الرعب الكبير لديها والتأثير الكبير الذي نمتلكه، كوننا ضمير الشعب وصوته الحرّ الذي لن يخيّبه».
ووفقاً لبيانات «ميتا»، استهدفت طلبات الحجب السعودية حسابات تنشر محتوى يتعلّق بـ«النزاعات الجيوسياسية الإقليمية» و«التطورات الأمنية» و«السخرية السياسية» و«الخطاب السياسي»، فضلاً عن آخر اعتُبر «مخالفاً للمشاعر الدينية». وبحسب «مركز الشفافية» التابع لـ«ميتا»، فإن الرياض لوّحت أيضاً بـ«العقوبات المالية، وخطر الحظر والمُساءلة الجنائية المحتملة»، ضدّ الشركة الأم المسؤولة عن المنصّات في حال عدم الامتثال لطلباتها. إلّا أنه سرعان ما استجابت «ميتا» للطلبات السعودية؛ إذ أزالت 36 حساباً بدعوى «مخالفة معايير المجتمع»، كما تمّ تقييد الوصول إلى 108 عناصر في السعودية. أمّا منصة «سناب شات» فعمدت إلى إبطاء الوصول إلى بعض الحسابات أو إزالتها من دون إخطار أصحابها، بينما أرسلت منصة «إكس» إشعارات إلى مستخدمين أفادت فيها بأنها تلقّت طلبات من «هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية السعودية» تزعم مخالفة حساباتهم للقوانين المحلية. وفيما تضمّنت تلك الإشعارات نسخاً من مذكّرات صادرة عن «النيابة العامة» السعودية، جاء فيها أن الحسابات المُستهدَفة نشرت موادَّ «تنتهك النظام العام أو القيم الدينية أو الأخلاق العامة أو حرمة الحياة الخاصة»، يقول عبدالله العودة، في حديثه إلى «الأخبار»، إن «الشيء الوحيد الذي نتفق فيه مع السلطات السعودية هو أن هذه الحسابات هي اليوم افتراضية»، مستدركاً بأنها «غداً ستكون فعلية، وفي جو حرّ مستقل يحفظ تعدّد الأصوات والأحزاب والحق في التعبير، ويدعم الأصوات الحرة والقضايا العادلة».
من جهتها، كشفت منصّة «دراويز» المعارضة أن إيلون ماسك الذي يملك منصة «إكس»، «فرض على السعودية تقديم طلبات حجب رسمية ومكتوبة، بدلاً من الطلبات الشفهية التي اعتادت على تمريرها عبر نفوذها من تحت الطاولة، ثمّ أرسل هذه الطلبات إلى أصحاب الحسابات المُستهدفين». وبحسب المنصة، فإن ماسك كشف بذلك «مستوى تفكير ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ودرجة التعبير التي يخشاها ويرتعب منها». وإلى جانب ما تَقدّم، فتحت «إكس» الباب أمام إمكان الطعن القانوني في تلك الطلبات؛ إذ أظهرت الإشعارات المُرسلة إلى أصحاب الحسابات المُستهدَفة أنه يمكنهم اتخاذ الإجراء المناسب لحماية مصالحهم، بما قد يشمل استشارة محامٍ والطعن في الطلب أمام المحكمة، وهو ما قد يُعدّ تحريضاً ضمنياً على رفع دعاوى على الحكومة السعودية، يمكن ابتزاز الأخيرة بها عند الحاجة.
موجة تضييق في «الشرقية»... على وقع الحرب
لم تكن المنطقة الشرقية في السعودية بمنأى عن موجة التضييق الأخيرة، ولا سيما في ظلّ الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، والتي اتّخذتها السلطات في المملكة، كما في الكويت والإمارات والبحرين، ذريعة لتشديد الإجراءات الأمنية واستهداف فئات متعدّدة من مواطنيها. وفي هذا السياق، سُجّل اعتقال ثمانية علماء دين في الأحساء والقطيف، هم: الشيخ سعود شروفنا، والشيخ سامي البراهيم، والشيخ عبد الجليل السمّين، والشيخ حسين النشمي، والشيخ حسن المطوّغ، والسيد حسن اليوسف، والسيد محمد الناصر، والشيخ حسن الحداد. وبحسب «المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان»، فإن السلطات صعّدت استهداف المواطنين الشيعة في المنطقة الشرقية منذ اندلاع الحرب في آذار الماضي، وذلك عبر «حملات اعتقال واستدعاءات ومنع سفر وإعادة تفعيل للحواجز الأمنية»، في ما وصفته بأنه نمط يعيد إلى الواجهة «استخدام التوترات الإقليمية لتبرير التوسّع في الإجراءات الأمنية والتضييق على الحريات الدينية والمدنية». وأشارت المنظمة إلى أن هذه السياسات تترافق مع «الترهيب والتخويف وفرض الصمت على المجتمع المدني والمدافعين والمدافعات، ومنع المعلومات من الوصول من الداخل في ظلّ بنية من القمع والترهيب».
ومع ذلك، تمكّنت جهات حقوقية من توثيق عشرات الاعتقالات، والاستدعاءات لمعتقلين سابقين، فضلاً عن فرض قيود على ناشطين اجتماعيين يستخدمون منصّات من مثل «تيك توك» و«سناب شات»، بذريعة ممارسة نشاط إعلامي «من دون ترخيص». وفي هذا السياق، حجبت السلطات السعودية مواقع دينية شيعية كانت مُتاحة للمتصفّحين داخل المملكة، من بينها مواقع تعود إلى رجال دين وحوزات ومراجع دينية وقنوات فضائية. كما كان لافتاً حجبُ مؤسسات ثقافية وخيرية تعمل بشكل رسمي في الكويت، وأخرى في العراق، من بينها: موقع المرجع الديني بشير النجفي، وقنوات «العهد» و«الغدير» و«النعيم» و«آفاق» ومركز «الكفيل»، بالإضافة إلى مواقع حكومية رسمية غير دينية تابعة لهيئات ومؤسّسات، وفق ما أفادت به منصّة «مسورات» المعنيّة بالشأن المحلّي في القطيف والأحساء.
وإزاء ذلك، يرى الباحث فؤاد إبراهيم، القيادي في «لقاء المعارضة» في الجزيرة العربية، أن «الحملة السعودية التي تحمل خلفية طائفية تؤكّد حقيقة الدولة الخليجية التي لا تزال بعيدة عن الدولة الوطنية». ويجزم أن السعودية «لا تزال تتصرّف كسلطة فئوية من منظور طائفي أو قبلي أو مناطقي، الأمر الذي يجعل هذه الفجوة تعكس نفسها كلّ مرة عند كلّ أزمة جديدة». وبدوره، يقول أحد النشطاء، في حديثه إلى «الأخبار»، إن «خطورة القمع في السعودية لا تتوقّف عند تهديد أمن المواطنين فحسب، بل تكشف أيضاً إفلاس الحكومة وعجزها عن تقديم ما يلبّي حاجات الشعب». ويكشف أن «السلطات السعودية عادت إلى تثبيت الحواجز الأمنية في عدد من شوارع القطيف، بعضها بشكل دائم وآخر بشكل مؤقّت»، في مشهد يعيد إلى الأذهان الإجراءات نفسها التي شهدتها المنطقة عام 2011.
عاشوراء القطيف: مراسم على مقاس السلطة
استبقت السلطات السعودية بدء إحياء مراسم شهر محرم في القطيف، بفرض جملة من القيود على أهالي المنطقة. وعبر «دائرة الأوقاف والمواريث في القطيف»، نشرت السلطات ما سمّتها «الضوابط التنظيمية» التي حملت جملة من النواهي والأوامر، من قَبيل تحديد وقت المجلس وعدد الحاضرين فيه، إضافة إلى منع استخدام الساحات والحدائق العامة وعقارات الدولة، كما منع إقفال الطرقات والشوارع بحجّة تعدّي هذا الفعل على حقوق المارّة. كذلك، فرضت السلطات حظراً على استقبال القرّاء أو المنشدين أو الزوار من خارج المحافظة، ومنعت رفع الرايات والأعلام في الطرقات والميادين العامّة والمنازل والمباني كافة. وفي تعليقه على تلك الإجراءات، يقول مصدر محلّي، لـ«الأخبار»، إن «النظام حوّل القطيف إلى ما يشبه الثكنة العسكرية، مع عودة الحواجز الأمنية في مختلف أنحاء المنطقة، وانتشار نقاط التفتيش، ومنع دخول المعزّين من خارج المنطقة». ويضيف المصدر أن «السلطات تحاول بذلك عزل القطيف وممارسة أقصى درجات التضييق على أهلها، بما يشمل منع عادة سنوية متمثّلة بتدشين شعار موحّد وإطلاق موكب عزاء موحّد». ورغم أن التضييق في عاشواء بات عادة سنوية، إلّا أنه هذا العام بدا أشدّ وطأة في ظلّ تداعيات الحرب على إيران، وهو ما يعيد إلى الأذهان، بحسب المصدر نفسه، الحصار العسكري الذي فُرض على القطيف، وتحديداً العوامية، إبّان اجتياح حيّ المسورة وهدمه عام 2017، وكذلك الحصار الذي ضُرب على المنطقة في أثناء حَراك عام 2011.
