
القاهرة | تكشف الاجتماعات التي استضافتها واشنطن خلال الأيام الماضية، انتقال المقاربة الأميركية للملف الليبي إلى مرحلة جديدة، تقوم على تجاوز مسارات التسوية التقليدية، لصالح تفاهم مباشر بين القوى التي تمتلك النفوذ العسكري والسياسي على الأرض. وفي هذا السياق، شكّل استقبال وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، للفريق أوّل صدام حفتر، نائب قائد «الجيش الوطني» الليبي، أبرز مؤشرات ذلك التحوّل - بعدما سبقته محادثات في القاهرة -، إلى جانب اللقاءات التي أجراها مسؤولون أميركيون مع وكيل وزارة الدفاع في حكومة «الوحدة الوطنية» في طرابلس، عبد السلام الزوبي.
ويقود هذا الحراكَ المبعوث والمستشار الأميركي الخاص، مسعد بولس، الذي يعمل على بلورة صيغة لإدارة المرحلة الانتقالية، تستند إلى تقاسم السلطة بين مراكز النفوذ الفعلية. وبحسب التصوّر المتداول، يحتفظ عبد الحميد الدبيبة برئاسة الحكومة، بما يضمن استمرار سيطرته على مؤسّسات العاصمة والقطاع المالي، في مقابل منح صدام حفتر موقعاً تنفيذياً - سيادياً مُستحدثاً ضمن هيكل القيادة العليا للدولة.
ويأتي هذا المشروع الذي تسعى واشنطن لتتويجه باتفاق رسمي يجمع قادة النفوذ الحقيقيين القادرين على فرض الالتزامات على الأرض ويُعلن من البيت الأبيض، وفق مصادر مطّلعة تحدّثت إلى «الأخبار»، نزولاً عند رغبة إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في إنهاء حالة الجمود السياسي الطويل في البلاد. وبطبيعة الحال، لا تنفصل هذه الرغبة عن المصالح الاقتصادية الأميركية، ولا سيما في قطاع الطاقة؛ إذ تزامنت الجهود الأخيرة مع إقرار أوّل ميزانية موحّدة في ليبيا منذ سنوات، إلى جانب توقيع مذكّرات تفاهم واتفاقات استثمارية مع شركتَي «شيفرون» و«كونوكو فيليبس»، في ما يعكس رغبة الولايات المتحدة في توفير بيئة سياسية أكثر استقراراً لاستثماراتها في قطاع النفط.
يتخوّف قطاعٌ عريضٌ من الليبيين من مغبّة تكريس نفوذ العائلات والقوى العسكرية المهيمنة
هكذا، تبدو الأولوية الأميركية منصبّة على توفير حدّ أدنى من الاستقرار المؤسّسي والأمني، يتيح استئناف المشاريع النفطية وتأمين الاستثمارات الأجنبية. ولذا، يبدو التحرّك الأميركي مستنداً إلى مقاربة براغماتية تقوم على التعامل مع موازين القوى كما هي؛ فالغرب الليبي يحتفظ بالشرعية الدولية وبالمؤسسات المالية والعسكرية المرتبطة بحكومة «الوحدة الوطنية»، فيما يسيطر الشرق - بقيادة حفتر - على القوة العسكرية المنظّمة ومعظم حقول النفط وموانئ التصدير. وانطلاقاً من هذه المقاربة نفسها، تخلّت إدارة ترامب عن الدبلوماسية التي ارتكزت، طوال السنوات الماضية، على رعاية الأمم المتحدة للحوار بين الأطراف الليبية - والتي كرّست الانقسام أكثر مما أنتجت حلولاً -، لتستبدلها اليوم بنهج يقوم على إبرام تفاهمات مباشرة بين أصحاب القوة الفعلية.
ويبدو اختيار بولس لقيادة الملف منسجماً مع تلك المقاربة؛ فهو يتحرّك كرجل صفقات يبحث عن نقاط الالتقاء المصلحية بين الأطراف القوية على الأرض، متجاوزاً الخلافات الأيديولوجية أو الدستورية التي طالما أفشلت جولات الحوار السابقة في جنيف والصخيرات وتونس. أمّا القاهرة، فيبدو أنها أدّت دور منصّة التنسيق الأساسية في هذا الشأن؛ فمنها انتقل حفتر إلى واشنطن بعد سلسلة اجتماعات سياسية وأمنية انعقدت تحت غطاء كثيف من السرّية والكتمان ولم يعلن منها سوى القليل، كما استضافت مصر لقاءً جمع حفتر ببولس، برعاية مباشرة من رئيس المخابرات العامة المصرية، اللواء حسن رشاد، الذي كان قد زار طرابلس قبل أيام، وأجرى مشاورات عاجلة ومفاجئة مع الدبيبة.
ويعكس هذا الانخراط حرص مصر على أن تراعي أيّ تسوية مقبلة اعتبارات «أمنها القومي»، ولا سيما في ما يتّصل بأمن حدودها الغربية ومصالحها الاستراتيجة الحيوية. وهو ما حضر أيضاً في لقاء وزير الدفاع المصري، أشرف سالم زاهر، بصدام ونجله خالد حفتر، حيث شدّد الجانبان على تعزيز التنسيق الأمني والعسكري بين البلدين، وذلك لمجابهة ملفات الهجرة غير الشرعية وتأمين الحدود المشتركة الشاسعة.
وعلى الرغم من محاولات الإدارة الأميركية الدؤوبة تبديد الهواجس المحلية والإقليمية من خلال تصريحات علنية لبولس، أشار فيها إلى أن المبادرة هي «خطة ليبية - ليبية» تحترم دور «مجلس النواب» و«المجلس الأعلى للدولة» وتضع سقفاً زمنياً قصيراً للمرحلة الانتقالية لا يتجاوز ثلاث سنوات، نافياً وجود نية لإطالة أمد الفترات الانتقالية أو إعادة تقسيم البلاد، ومؤكداً استمرارية المجالس التشريعية القائمة وضمان تمثيل الأقاليم التاريخية مثل الجنوب، إلا أن التوجّس والقلق لا يزالان يسيطران على قطاع عريض من النخبة السياسية والمزاج الشعبي في ليبيا، حسبما تقول مصادر مصرية في حديثها إلى «الأخبار».
وتوضح المصادر أن تلك المخاوف تتركّز على أن التسوية التي تعمل عليها إدارة ترامب، وإن كانت قد توفّر استقراراً أمنياً يسمح بإعادة إطلاق قطاع النفط، فإنها قد تؤدّي، في المقابل، إلى «تكريس نفوذ العائلات والقوى العسكرية المهيمنة ضمن صيغة مُحاصصة دائمة، بما يؤجّل مجدّداً الاستحقاق الانتخابي، ويغلق الباب أمام أيّ تداول سلمي وديمقراطي للسلطة على المديَيْن المتوسط والبعيد».

