مصر تحت صدمة الحرب: متاعب الاقتصاد لا تنقطع

تكشف تداعيات الحرب الإقليمية أن مصر وجدت نفسها في قلب أزمة اقتصادية مركّبة، جمعت بين صدمات خارجية متلاحقة وضغوط داخلية ناتجة من برنامج «إصلاح» صارم. وهو ما أدخل اقتصادها في اختبار قاسٍ بين متطلبات الاستقرار المالي وكلفته الاجتماعية المتصاعدة.

الأخبار
الجمعة 3 تموز 2026
خلال ألف يوم من الحرب، وجد المصريون أنفسهم أمام موجات متلاحقة من ارتفاع الأسعار (أ ف ب)
خلال ألف يوم من الحرب، وجد المصريون أنفسهم أمام موجات متلاحقة من ارتفاع الأسعار (أ ف ب)
الخط

القاهرة | لم تكن مصر طرفاً مباشراً في الحرب في المنطقة، لكنها «كانت من أكثر الدول التي دفعت ثمنها اقتصادياً»، بحسب ما تفيد به مصادر مصرية في حديثها إلى «الأخبار». فمع توسّع دائرة الحرب، وتفاقم تداعياتها التي أصابت أكثر اقتصادات المنطقة حساسية تجاه الاضطرابات الإقليمية، وجدت مصر نفسها أمام اختبار مركّب: مواجهة صدمة خارجية غير مسبوقة، بالتوازي مع المضيّ في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي صارم يرتبط بالتزاماتها تجاه «صندوق النقد الدولي».
وإذ تحوّلت الحرب سريعاً من «أزمة أمنية» على الحدود الشرقية إلى أزمة اقتصادية متعدّدة الأبعاد، فقد أدى تراجع الملاحة في البحر الأحمر، بالتوازي مع تصاعد الهجمات على السفن التجارية، إلى انعكاسات مباشرة على إيرادات قناة السويس، أحد أبرز مصادر النقد الأجنبي لمصر، والتي خسرت مليارات الدولارات. وفي الوقت نفسه، دفعت حال عدم اليقين المستثمرين الأجانب إلى تقليص استثماراتهم في الأسواق الناشئة، فيما ارتفعت تكاليف النقل والتأمين والشحن، وازدادت الضغوط على سوق الصرف، وذلك قبل أن تضيف الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران طبقة جديدة من القلق الاقتصادي.
ووفقاً للمصادر، لم تكن المصاعب بالنسبة إلى القاهرة ناجمة عن تحدٍّ منفرد، بقدر ما مثّلت نتيجة لتراكم الصدمات؛ فكلّما بدأ الاقتصاد يستوعب آثار أزمة، برزت أخرى لتزيد الضغوط على المالية العامة وسوق النقد. وبينما كانت الحكومة تحاول استعادة قدر من الاستقرار المالي بعد سنوات من الأزمات العالمية، وجدت نفسها مضطرّة إلى التعامل مع بيئة إقليمية شديدة التقلّب، لا تملك التأثير في أسبابها، لكنها تتحمّل جانباً كبيراً من كلفتها.

وفي غضون ذلك، دخل برنامج «الإصلاح الاقتصادي»، المتفَق عليه مع «صندوق النقد الدولي»، أكثر مراحله حساسية. إذ مضت الحكومة في تنفيذ التعهدات التي التزمت بها بموجب البرنامج المذكور، مقابل الحصول على التمويل الدولي. وهكذا، رفعت، خلال العامَين الماضيَين، أسعار الوقود والكهرباء مرّات متتالية، وواصلت تقليص أشكال الدعم التقليدية، كما اعتمدت نظاماً أكثر مرونة لسعر الصرف، وهو ما أدى إلى انخفاض كبير في قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية.
ومن منظور المؤسسات الدولية، فإن هذه الإجراءات كانت «ضرورية» لتصحيح اختلالات تراكمت على مدار سنوات، وإزالة التشوهات التي تعيق جذب الاستثمارات، لكن على الأرض، كانت لتلك القرارات كلفة اجتماعية واضحة. فكلّ خفض جديد لقيمة الجنيه المصري كان ينعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، لتنتقل موجة الغلاء إلى مختلف القطاعات، فيما بقيت الأجور عاجزة عن مواكبة ارتفاع الأسعار. وأسفر ذلك عن تراجع القوة الشرائية للمواطنين بصورة غير مسبوقة، وتدنّي القيمة الحقيقية للأجور، فيما ازدادت هجرة المصريين إلى الخارج، لتتحوّل تحويلاتهم إلى المصدر الأول للعملة الصعبة.
ورغم تراجع معدلات التضخم مقارنة بذروتها، فإن ذلك لم ينعكس انخفاضاً في الأسعار، بل تباطؤاً في وتيرة ارتفاعها؛ فالأسعار التي قفزت خلال موجات التضخّم السابقة، استقرّت عند مستويات مرتفعة، بينما ظلّ الدخل الحقيقي للأسر يتآكل تحت ضغط الغلاء. وبهذا، أصبحت الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة واحداً من أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية، في وقت سُجّلت فيه أدنى مستويات للإدخار، وفق تقارير رسمية حكومية.

يبقى الثمن الاجتماعي هو الوجه الآخر لما يُسمّى بـ«الاستقرار المالي»

على أن هذه الوقائع لم تكن نتيجة برنامج الإصلاح وحده، ولا الحرب وحدها، بل حصيلة تداخل العاملين معاً. إذ عمّقت الحرب أزمة النقد الأجنبي، فيما فرضت شروط «صندوق النقد» إجراءات لم تعالج تلك الأزمة بقدر ما عزّزتها. ومن أبرز هذه الإجراءات، تسريع برنامج التخارج الحكومي، الذي يشكّل أحد المحاور الأساسية في الاتفاق مع الصندوق. فمنذ سنوات، يدعو الأخير إلى تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي وتوسيع مساحة القطاع الخاص، باعتبار ذلك مدخلاً لتعزيز المنافسة ورفع كفاءة الاقتصاد. واستجابة لهذا المطلب، كثفت الحكومة، خلال الأشهر الماضية، عمليات بيع الأصول أو إشراك القطاع الخاص في الشركات المملوكة للدولة، وهو ما ساعدها على استكمال متطلبات المراجعة الأخيرة، التي أفضت إلى الإفراج عن نحو 1.6 مليار دولار بعد مفاوضات ماراثونية.
وأثار هذا المسار الحكومي انتقادات واسعة؛ إذ يرى عدد من الاقتصاديين أن بيع الأصول في ظلّ ضغوط تمويلية استثنائية لا يمنح الدولة أفضل قدرة تفاوضية للحصول على قيمتها العادلة. فحين تصبح الحاجة إلى السيولة ملحّة، تتقدم أولوية إنجاز الصفقة على تعظيم العائد، وهو ما يثير تساؤلات بشأن ما إذا كانت بعض الأصول قد بيعت بأقلّ من قيمتها الاقتصادية الحقيقية، ولا سيما في ظلّ حال من عدم اليقين تسود الأسواق بسبب الحرب.
ويبرز ملف «محطة رياح جبل الزيت» باعتباره المثال الأبرز على هذا الجدل؛ إذ باعت الحكومة المحطة لشركة «ألكازار» الإماراتية مقابل 420 مليون دولار، في وقت كانت تسعى فيه إلى تسريع برنامج الطروحات الذي اعتبره «صندوق النقد» مؤشراً أساسياً إلى تقدّم الإصلاحات الهيكلية. غير أن قيمة الصفقة أثارت تساؤلات واسعة؛ فالبيانات الحكومية تشير إلى أن تكلفة إنشاء المرفق المذكور عند افتتاحه تجاوزت 560 مليون دولار -تمّ توفيرها من القروض الميسّرة والمنح الأوروبية واليابانية والإسبانية-، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول آليات تقييم الأصول العامة، ولا سيما أن هذه ليست المرة الأولى التي تستحوذ فيها جهات إماراتية على أصول مصرية بأسعار أقلّ من قيمتها التقديرية.
ورغم إشادة «النقد الدولي» بما تحقّق، فإنه طالب القاهرة بالمضيّ قدماً في الإصلاحات، وذلك عبر تعزيز مرونة سعر الصرف، والاستمرار في تشديد السياسة النقدية، وزيادة الإيرادات الضريبية، وتسريع برنامج التخارج الحكومي، باعتبارها شروطاً لتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات المقبلة.
في المحصلة، يبقى الثمن الاجتماعي هو الوجه الآخر لما يُسمّى بـ«الاستقرار المالي». فخلال ألف يوم من الحرب، وجد المصريون أنفسهم أمام موجات متلاحقة من ارتفاع الأسعار، وتآكل الدخول، وازدياد كلفة المعيشة، فيما كانت الدولة مُطالبة بإعادة هيكلة اقتصادها تحت ضغط الحرب والديون ومتطلّبات الإصلاح.