
غالباً ما يحجب دخان اللحظة عن أهلها كثيراً من السياقات السننية والتاريخية، فيُغيّب ما يتكرر في تجارب المجتمعات البشرية من جوهر ومعاودة. وكثيراً ما تتحول وفرة البيانات نفسها إلى حجاب معرفي حين تُقرأ جافة، منزوعةً من إحساسها الزمني والمكاني. يسعى هذا المقال إلى تقديم مقاربة هادئة، في لحظة صاخبة، لفكرة الدولة الإسرائيلية أقرؤها بين «بنياميتين». سرداً مكثفاً لمحطات مفصلية في رحلة كيانٍ لا يزال يقاتل من أجل وجوده، من هيولى اللعنة حتى لعنة العقد الثامن.
بين بنيامين وثيودور
كان يا ما بات، لاحقاً المتحف اليهودي المجري، وعلى بعد أقل من كيلومتر من الضفة الشرقية للدانوب في قلب بيست القديمة، في ذلك الحي اليهودي المفتوح بلا جدران، منزلٌ برجوازي يهودي من طابقين يتكئ على الجدار الجانبي لكنيس شارع دوهاني، أكبر كنيس في أوروبا آنذاك. هناك، بعد سبعة أشهر وستة وعشرين يوماً من تدشينه، احتفل يعقوب هرتزل وزوجته جانيت بمولودهما الأول: بنيامين زئيف، الذي سيعرفه العالم لاحقاً باسم ثيودور هرتزل.
لم يكن بنيامين وثيودور مجرد اسمين لشخص واحد، كما جرت العادة بين يهود أوروبا الوسطى، بل كانا، منذ البداية، عنواناً لتوترٍ هوياتي سيصطحبه هرتزل إلى أروقة «الدولة اليهودية» القادمة. وهكذا، في بنيامين، ظلت تتردد ذاكرة البيت اليهودي وحكايات الجد شمعون، الذي حرص ألّا تكون مئات الكيلومترات بين زملين وبيست مانعاً بين العبرية وحفيده. وفي ثيودور، كانت تكبر مع الفتى أحلام البيت الأوروبي بعيون والديه؛ حقوقياً بمعطف أنيق وقميص أبيض، ثم متعلقاً بأطراف حلم رومنسي، يراسل سيغموند، صديق الدراسة: «أود أن أصبح شاعراً ألمانياً».
ذلك التوتر سيصعد على خشبة مسرح كارل في فيينا، في مسرحيته «الغيتو الجديد»، حكايةَ محامٍ يهودي يواجه حدود الاندماج في مجتمع أوروبي لينتهي مأزوماً. يقولها على لسان بطله بوضوح: «نحن مواطنون، ومع ذلك نظل غرباء». ثم يرافقه، مراسلاً صحفياً في باريس، وهو يغطي قضية دريفوس سنة 1894، وربما يسمع صداه للمرة الأولى في مراسم تجريد ألفريد دريفوس من رتبته العسكرية، وسط هتافات: «ليسقط اليهودي» و«الموت لليهود». عن هذا الصوت كتب هرتزل لاحقاً: «لقد تحولت إلى صهيوني».
في تلك اللحظة بالذات أجرت الهويتان ما يشبه التسوية. لم تعد المسألة اليهودية عرضاً اجتماعياً يعالجه الاندماج، بل باتت أصلاً تاريخياً يتطلب حلاً آخر سيبلوره بعد عامين، سنة 1896، في كتابه «الدولة اليهودية». هناك بدأ بنيامين وثيودور يفكران بصوت واحد. تسويةٌ سرعان ما ستضعه، بعد عام واحد، في مؤتمر بازل الأول سنة 1897، على رأس المنظمة الصهيونية، وهو على بعد ثلاث سنوات من الأربعين.
آخر تسويات هرتزل
لم يكن المؤتمر الصهيوني أول من راوده حلم الدولة، ولم يكن هرتزل أول من رواه. فحلم الدولة، أو لنقلْ أقله، العودة، يردده اليهود في «بركة الطعام» بعد كل وجبة خبز منذ خراب هيكلهم سنة 70 للميلاد «ارحم يا رب... أورشليم مدينتك... وصهيون مسكن مجدك... وأعد بناء أورشليم المدينة المقدسة سريعاً في أيامنا». حتى إن هرتزل اعترف بعد قراءته كتاب «روما والقدس» لموزس هس سنة 1901 «لو كنت قد قرأت هذا الكتاب من قبل، لربما ما كنت كتبت كتابي». لذلك لا يحاول هذا المقال تتبع تيه الفكرة بين النصوص الدينية والمشاريع الاستيطانية التي جابت قارات العالم، بل يبدأ من اللحظات المؤسسة لكيان بات يبلغ من العمر ثمانين سنة إلا عامين.
كنص مسرحي، هندس هرتزل حلم دولته على خشبة مسرح المؤتمر الأول. صباح الأحد 29 آب 1897، استوقف هرتزل رفيقه مكسيم شتاينر عند باب كازينو بازل، مانعاً إياه من الدخول ببذلته الصيفية العادية، وطالبه بالعودة إلى الفندق وارتداء «التاكسيدو» وربطة العنق البيضاء المفروضة على الجميع. لم تكن المسألة مرتبطة بالأناقة الشخصية بقدر ما كانت إحدى مفردات حملة هرتزل التسويقية لدولة قادمة يريد أن يقنع بها العالم.
على الخشبة نفسها، كان لكل جمهور خطابه. فحين يخاطب خزائن العثمانيين، يكتب في «الدولة اليهودية»: «إذا منحنا السلطان فلسطين، نستطيع أن ننظم مالية تركيا». وحين يخاطب العالم المسيحي، يحدثهم عن أجراس كنائسهم ويطمئنهم: «سنشكل على الأماكن المقدسة حراسة شرف». وحين يخاطب أوروبا، يعود بنيامين وثيودور إلى عناق مختلف، إذ يقدم المشروع بوصفه موقعاً متقدماً للحضارة الأوروبية في مواجهة آسيا، أو كما كتب: متراساً لأوروبا في آسيا، وموقعاً للحضارة في مواجهة ما سماه البربرية. وخلف ستار المسرح يتحدث العبرية بطلاقة ويخبر اليهود رواية الخلاص من «الغيتو».
في سانت بطرسبرغ، 1903. ينفض هرتزل عن قميصه دماء ما عُرف بمجزرة كيشينيف. هناك تتجلى الميكافيليّة الهرتزلية بوضوح حين صافح وزير الداخلية الروسي فياتشيسلاف فون بليفي، الذي اتهمه اليهود بالتواطؤ فيها، ليعود منه برسالة رسمية مؤرخة في 12 آب 1903، تعهدت فيها الحكومة الروسية بدعم الاستيطان اليهودي في فلسطين دبلوماسياً والوساطة لدى السلطان العثماني، في تقاطع واضح بين رغبة صهيونية في الأرض ورغبة روسية في تصريف جزء من أزمتها اليهودية.
لم يكد هرتزل يغادر أروقة القيصرية الروسية عاملاً بالخطة «أ» المتمثلة في انتزاع وساطة روسية تضغط على الباب العالي في فلسطين، حتى تلقى، بعد يومين فقط، في 14 آب 1903، رسالة رسمية من وزارة الخارجية البريطانية تحمل ما عُرف بـ«عرض أوغندا». كان هذا العرض يمثل الخطة «ب»؛ مستعمرة أفريقية ذات حكم ذاتي تحت التاج البريطاني، التقطها هرتزل كطوق نجاة ديموغرافي وجغرافي مستعجل لمواجهة فائض اللجوء اليهودي.
يمكن سماع وعظ الماجيد ناثان في خطاب نتنياهو المشبع بالرواية الدينية والتاريخية؛ ليس بوصفها استدعاءات تراثية، بل مفردات حية في تفسير الحاضر وصناعة قرار من يقول: «إذا كنت تسألني إن كنت أشعر أنني في مهمة تاريخية وروحية، فالإجابة هي نعم»
وبهاتين الورقتين، اللتين طُبختا في أسبوع واحد بين سانت بطرسبرغ ولندن، وقف هرتزل صباح الأحد 23 آب 1903 على منصة المؤتمر الصهيوني السادس في بازل. هناك فجّر بنيامين القنبلتين معاً أمام المندوبين: مصافحة «القاتل الروسي» لتأمين الجغرافيا، وتقديم التراب الأفريقي ملجأً مؤقتاً لليهود.
تحول المسرح إلى ما يشبه المأتم، الذي وثقته عشرات الكتب المؤرخة لتلك الحقبة ومذكرات الحاضرين. علت الهتافات بشتى اللغات، وتعالى الصراخ على وزن مناحيم أوسيشكين وحاييم وايزمان. يصف المؤرخون الحادثة بأنها أخطر أزمة كادت تعصف بالمنظمة الصهيونية في مهدها. هناك مرّت آخر تسويات هرتزل بتشكيل لجنة استكشافية لأوغندا غير مموّلة من المنظمة الصهيونية. تسوية مرّت بـ295 مؤيداً مقابل 178 معارضاً، فيما امتنع 98 عن التصويت.
لكن التصويت لم يكن آخر ما أنجبه ذلك المؤتمر. ففي المقاعد التي قالت «لا» جلس شابان لم يجمع بينهما يومها سوى رفض أوغندا، أما ما سيجمع بين اسميهما لاحقاً، فسيكون الوالد لأحد أكثر الرجال تأثيراً في تاريخ إسرائيل المعاصر.
بنيامين الثاني نتنياهو
بعد أكثر من قرن على المؤتمر السادس، وقف الرجل الذي انتهت إليه تلك المسارات، في الثلاثين من نيسان 2012، يرثي والده، قائلاً: «كم مرة قلت لي: إن من لا يستطيع فهم الماضي، لا يستطيع فهم الحاضر؛ وإذا لم يستطع فهم الحاضر، فكيف له أن يكتشف ما يخبئه المستقبل؟».
كان هذا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. أما والده الراحل، بنتسيون، أحد أبرز المؤرخين الصهاينة، فسيورث ابنه ما سيبدو لاحقاً أقرب إلى لعنة تاريخية؛ سيورثه لاءتين قديمتين، حمل أولاهما عن والده ناثان ميليكوفسكي، أحد الأصوات الرافضة لتسوية أوغندا، وحمل الثانية عن معلّمه فلاديمير جابوتنسكي، الذي جعل من رفض تلك التسوية مشروعاً فكرياً كاملاً. وسيورثه أيضاً توتراً أقدم من اللاءتين معاً؛ ذلك التوتر الذي لازم فكرة الدولة منذ أن صاغها هرتزل لأول مرة.
حتى اليوم، حكم بنيامين نتنياهو إسرائيل ثلاث ولايات متفرقة امتدت، مجتمعة، ثماني عشرة سنة وثمانية أشهر وأربعة وثلاثين يوماً، أي ما يقارب ربع عمر الدولة. ومدة كهذه تجعل قراءة نتنياهو من زاوية صخب اللحظة وحدها قراءة غير كافية، مهما بدت هذه اللحظة مفصلية. فالأحداث الكبرى لا تخلق بالضرورة الأفكار الكامنة، بقدر ما توقظها، وتمنحها الظرف الذي تتجلى فيه في السلوك والقرار. ومن هنا، فإن صخب اللحظة لا يفسر نتنياهو بقدر ما يكشفه.
وفي إحدى محطات ولايته الثانية، استقبل نتنياهو رئيس معهد جابوتنسكي مردخاي ساريج على رأس وفد من المعهد والمكتبة الصهيونية لتسلمه المجلد الحادي عشر من رسائل زئيف جابوتنسكي، الذي يضم 360 رسالة كتبها عام 1936. وقد نشر موقع رئاسة الوزراء الخبر، مشيراً إلى أن نتنياهو تأثر عندما علم أن الرسالة رقم 160 كانت موجهة إلى والده، البروفيسور بنتسيون نتنياهو، وفيها يعتذر جابوتنسكي لأنه كان ينوي كتابة مقال عن الحاخام ناثان ميليكوفسكي، جد رئيس الوزراء، لكنه لم يتمكن من ذلك.
لم تكن هذه السلسلة غائبة عن الباحثين أيضاً. وقد كتبت فيها عدداً كبيراً من الدراسات والمقالات. ففي كتابه «الأمراء الإسرائيليون»، الذي يتناول الجيل الثاني من قيادات الليكود الذين ورثوا المشروع السياسي عن آبائهم المؤسسين، يصف جيل سامسونوف بنيامين نتنياهو بأنه «الابن الأيديولوجي لبنتسيون نتنياهو، والحفيد الأيديولوجي لفلاديمير جابوتنسكي وناثان ميليكوفسكي».
الماجيد ناثان
في هذا الصخب يمكن سماع وعظ الماجيد ناثان في خطاب نتنياهو المشبع بالرواية الدينية والتاريخية؛ من عماليق إلى المكابيين، ومن يشوع وداود إلى أنبياء إسرائيل، لا بوصفها استدعاءات تراثية، بل مفردات حية في تفسير الحاضر وصناعة القرار. لم يكن ناثان واعظاً عادياً؛ فمنذ تسعينيات القرن التاسع عشر عُرف في أوساط حركة «حب صهيون» بوصفه «ماغيداً» يجوب التجمعات اليهودية، يمزج بين النصوص التوراتية والدعوة القومية، ويحوّل التاريخ اليهودي إلى خطاب تعبئة للمستقبل. وكانت عائلة ميليكوفسكي، بحسب شهادة ابنه بنتسيون، من العائلات القليلة التي كانت تتحدث العبرية في ذلك الوقت. وبعد هجرته إلى فلسطين سنة 1920، بدأ ناثان ينشر بعض مقالاته في الصحافة العبرية موقعة باسم «نتنياهو» بدل «ميليكوفسكي»؛ وهو اسم توراتي يعني: «الله أعطى»، قبل أن يعتمده بنتسيون لقباً رسمياً للعائلة.
الاسم الذي سيغدو، عند الحفيد، أكثر من لقب. ففي مقابلة أجراها مع قناة i24NEWS في آب 2025، قال بنيامين نتنياهو: «جيل والدي كان عليه أن يقيم الدولة، أما جيلنا فعليه أن يضمن استمرارها». ثم أردف، مجيباً عن سؤال حول شعوره بدوره التاريخي: «إذا كنت تسألني إن كنت أشعر أنني في مهمة تاريخية وروحية، فالإجابة هي نعم». ولا يبدو هذا الخطاب تعبيراً معزولاً أو فلتة خطابية؛ فقد خلصت دراسة صادرة عن «المعهد اليهودي لسياسات الشعب»(JPPI)، بعد تحليل 124 خطاباً حربياً لبنيامين نتنياهو وديفيد بن غوريون، إلى أن خطاب نتنياهو يشهد تحولاً في مركز ثقله؛ إذ تتراجع فيه الإحالات التاريخية لصالح حضور أكثر مباشرة للإرادة الإلهية، فترتفع الإشارات الصريحة إلى الله إلى 59%، مقابل 21% فقط في خطابات بن غوريون، في انتقال وصفه الباحثان بأنه انتقال من «شرعية التاريخ» إلى «شراكة مع الإرادة الإلهية».
سيف جابوتنسكي
وفي هذا الصخب أيضاً، لا يصعب تمييز فلاديمير جابوتنسكي. ليس في استعادة اسمه فحسب، بل في المكانة التي يحتلها داخل وعي نتنياهو السياسي. في ربيع عام 1920، اعتقل البريطانيون جابوتنسكي بعد تنظيمه قوة دفاع يهودية في القدس عقب اضطرابات ذلك العام. وصودر سيفه الشخصي مع بقية مقتنياته، ثم اختفى لعقود بعدما آل إلى أحد ضباط الشرطة البريطانية. وظل السيف مفقوداً قرابة قرن، قبل أن تعثر عليه الشرطة الإسرائيلية، وفي آذار 2014 يسلمه مفوضها إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مكتبه بالقدس. وبين ذاك السيف المصادَر والسيف الذي تسلمه نتنياهو بعد أربعة وتسعين عاماً، تبدو قصة كاملة عن علاقة الحفيد الفكري بأحد أبرز آبائه.
وقبلها بعام، وقف نتنياهو في الكنيست خلال الجلسة الخاصة التي عقدت لإحياء ذكرى وفاة جابوتنسكي. لم يكن خطابه مجرد تأبين لزعيم تاريخي، بل دفاعاً عن موقعه داخل الرواية الصهيونية نفسها. فتوقف عند ما اعتبره ظلماً تاريخياً لحق به، مستحضراً أن جثمان جابوتنسكي لم يُوارَ الثرى في مدفن عظماء الدولة على جبل هرتسل إلا بعد أربعة وعشرين عاماً من وفاته، وكأن الدولة التي قامت بعد رحيله احتاجت ربع قرن لتصالح نفسها مع أحد أكثر آبائها تأثيراً.
لم يعد حضور جابوتنسكي في فكر نتنياهو وسلوكه السياسي محل اكتشاف جديد، ولم يقتصر، في نظر كثير من الباحثين، على استدعاء الأفكار أو الرموز، بل هدف إلى إعادة الاعتبار لمدرسة جابوتنسكي نفسها بوصفها أحد أهم المراجع المؤسسة للعقيدة السياسية والأمنية الإسرائيلية المعاصرة
لم يعد حضور جابوتنسكي في فكر نتنياهو وسلوكه السياسي محل اكتشاف جديد، بل أصبح من أكثر الموضوعات تداولاً في الأدبيات الإسرائيلية والغربية التي تناولت شخصية رئيس الوزراء الإسرائيلي. ولم يقتصر هذا الحضور، في نظر كثير من الباحثين، على استدعاء الأفكار أو الرموز، بل امتد إلى إعادة الاعتبار لمدرسة جابوتنسكي نفسها بوصفها أحد أهم المراجع المؤسسة للعقيدة السياسية والأمنية الإسرائيلية المعاصرة. ولا يتسع هذا المقال لاستعراض عشرات الشواهد التي تناولت هذا التحول، والتي تشير إلى أن كثيراً من ملامحه سبق أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 بسنوات، قبل أن تأتي الحرب فتسرّع إيقاعه وتدفع به إلى الواجهة.
إلى الكارثة أو لعنة العقد الثامن
في مذكراته عن المؤتمر الصهيوني السادس، يستعيد فلاديمير جابوتنسكي حادثة بقيت راسخة في ذاكرته. فقد صعد إلى المنصة ليعترض على لقاء هرتزل بوزير الداخلية الروسي بليفي، الذي حمّله كثير من يهود روسيا مسؤولية مذبحة كيشينيف. ولم يرَ جابوتنسكي أن من الجائز المرور على تلك التسوية بالصمت. لكنه لم يُمهل لإكمال كلمته؛ تعالت الهتافات، ثم اقترب هرتزل من المنصة وقال له بالألمانية «Ihre Zeit ist um» «لقد انتهى وقتك». ويختم جابوتنسكي هذه الذكرى بعبارة لا تقلّ دلالة: «كانت تلك الكلمات الأولى والأخيرة التي سمعتها من هرتزل».
ولم تغادر تلك الحادثة الذاكرة التصحيحية. وبعد أكثر من قرن، بدا وكأن بنيامين نتنياهو يعود إلى القاعة نفسها، ولكن من موقع مختلف؛ يدافع عن جابوتنسكي في الكنيست، ويستعيد سيفه إلى مكتبه، ويعيده إلى قلب الرواية الرسمية للدولة. وكأن بنيامين الثاني عاد ليمنح الزمن للكلمة التي لم يُتح لجابوتنسكي أن يتمها. فإذا كان بنيامين الأول قد رأى في البراغماتية طريقاً إلى قيام الدولة، فإن الثاني بدا، في كثير من مواقفه، أقرب إلى الاعتراض الذي خرج به جابوتنسكي من قاعة المؤتمر السادس، وإلى اللاءات التي حملها معه منذ ذلك اليوم. ومع فائض في السلاح والتكنولوجيا وأنا مشبعة بالتاريخ يظن بنيامين الثاني اليوم أنه لم يعد يحتاج أن يتوسّل من الغرب مقعداً في قطار حضارتهم بل ربّما تحدثه أوهامه أنه قائد هذا القطار.
هذا هو النهج الذي ظل، طوال عقود، موضع ريبة لدى عدد من قادة الحركة الصهيونية، وفي مقدمهم دافيد بن غوريون، الذي رأى في جابوتنسكي قائداً موهوباً، لكنه صاحب «رؤية ضيقة وخطرة» على مستقبل المشروع الصهيوني. ولم يكن رفضه سنوات طويلة نقل رفاته إلى إسرائيل، مكتفياً بالقول «هذه البلاد تحتاج إلى يهود أحياء، لا إلى عظام موتى»، مجرد خلاف شخصي مع خصم سياسي، بقدر ما كان تعبيراً عن خوف أعمق من أن تنتصر هذه الرؤية يوماً وتقود الصهيانة إلى الكارثة.
عقد الصهاينة منذ مؤتمرهم الأول حتى الآن تسعةً وثلاثين مؤتمراً يلازمها القلق. وكان «الجدار الحديدي» إحدى وصفات المواجهة التي كتبها جابوتنسكي سنة 1923؛ جداراً من القوة يسبق التسوية، لا غايةً في ذاته. لكن بعد ألف يوم من جولة القتال الأخيرة، لا يبدو أن بنيامين نتنياهو يحمي فكرة الدولة بجدار حديدي، بقدر ما يحمي فكرةً أقدم بشلالٍ من الدماء؛ دماء لم يعد يهم كثيراً إن كانت من جنوده ومواطنيه، أم من أعدائه الكثر، ما دامت تُبقي تلك الفكرة واقفة. في الجولة السابقة للحرب كتب المؤرخ الإسرائيلي وأستاذ التاريخ في الجامعة العبرية في القدس يوفال نوح هراري مقالاً مطولاً في هآرتس تحت عنوان «من غزة إلى إيران: حكومة نتنياهو تعرّض بقاء إسرائيل للخطر». أسهب فيه في شرح القوة العمياء التي تحكم العقلية السياسية والأمنية في الكيان لينتهي بعبارة واضحة «إن غرورنا وروح الانتقام لدينا سيلحقان بنا كارثة تاريخية».
إن أسقطنا مخاوف بن غوريون رئيس الوزراء الأول للكيان على وصفة نتنياهو الجيبوتنسكية اليوم، ربما تكون هذه أخطر الوصفات التي تعصف بقلق الكيان المزمن. أصدقاء الكيان قبل أعدائه يهمسون: «إسرائيل الكبرى» التي تحكم نتنياهو اليوم هي نفسها ما يهدد «إسرائيل الصغرى» في وجودها قبيل عقدها الثامن.

