
غزة | خرجت إسرائيل من معركة «طوفان الأقصى» مع «عقدة» تسكن رؤوس قادتها العسكريين والسياسيين، تجعلهم في حال «تأهب» وعمل دائمة، لا سعياً لإجهاض ما يعتقدونه تهديداً وجودياً قائماً فحسب، بل، كذلك، ما يتوهّمونه من تهديدات غير موجودة إلا في رؤوسهم، وأعداء مختلقين يتوجّب، دائماً، التحضّر لمواجهتهم. ومن هنا، يمكن فهم دعوة صنّاع السياسة الإسرائيليين الدائمة إلى استئناف القتال في كل جبهة تجنح إلى الهدوء قليلاً، من غزة إلى لبنان وإيران، وفي المستقبل المرتقب، مصر وتركيا.
طيلة الأسابيع الأخيرة، لم يغِب ملف غزة عن حديث المراسلين العسكريين ووزراء الائتلاف الحكومي، الذين ما فتئوا يسعون إلى تضخيم التهديدات القادمة من القطاع، زاعمين أن حركة «حماس» أعادت بناء صفوفها وتنظيمها، واستطاعت تهريب كمّيات كبيرة من السلاح، وحصلت على طائرات مسيّرة كالتي يمتلكها «حزب الله» في لبنان. ورغم أن ذلك يتزامن مع موسم انتخابي حامٍ، ويأتي على وقع انقسام سياسي متعمّق، فلا يُستبعد بالفعل أن يكون هدفه إرساء أرضية سياسية لرفع وتيرة التصعيد.
على أن ذلك الهدف المفترض اصطدم، على أيّ حال، بتحركات أميركية في اتجاه تطبيق خطة دونالد ترامب ذات البنود العشرين، ولو من دون إحراز تقدّم كبير في بند «نزع سلاح» المقاومة. وفي هذا السياق، وصلت طلائع «القوات الدولية» إلى معبر كرم أبو سالم، فيما من المقرّر، بحسب صحيفة «يسرائيل هيوم»، أن تبدأ هذه القوات، خلال الأيام المقبلة، تدريب قوات الشرطة الجديدة التابعة لـ«مجلس السلام»، والتي ستتولّى مهمّة حفظ الأمن في المناطق الشرقية للقطاع -بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها وتولّي «لجنة التكنوقراط» الحكومية العمل فيها-. ووفقاً للصحيفة نفسها، من المتوقّع، أيضاً، إطلاق العنان لما تسمّى عملية «نقل السكان» إلى المناطق الجديدة، وذلك بعد إخضاعهم لفحص أمني، سيقوم به عناصر الشرطة الجديدة الذين سيُزوّدون بمسدسات صعق كهربائي.
واقترنت هذه المعطيات مع تصريح أدلى به رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، أمس، أعلن فيه أن التهديد القادم من غزة عبر «حماس» أزيل «بفضل المناطق العازلة الصفراء»، فيما ذكرت «القناة 12» العبرية أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ترى أن الوقت غير مناسب للتصعيد في القطاع. ويعتبر جيش الاحتلال أن «حماس» «لا تمتلك أيّ نفوذ للضغط على إسرائيل في الوضع الراهن، ولذا ينبغي استغلال هذا الوضع لزيادة الضغط على الحركة»، في حين يؤكد كبار المسؤولين الأمنيين أن غزة ليست ساحة قتال رئيسة حالياً، معتبرين أن على إسرائيل «التركيز على التهديدَين الإيراني واللبناني، فضلاً عن التصعيد المتصاعد في الضفة الغربية».
ووفقاً لتقديرات جيش الاحتلال ذاتها، فإن «حماس» تمرّ حالياً بـ«أضعف مراحلها على الإطلاق»، وهي تواجه صعوبة في استعادة قدراتها العسكرية، وتركّز جهودها على استعادة سيطرتها على القطاع، ممّا يجعل التحدي الذي يواجه الجيش في الوقت الحالي، وهو «الحفاظ على الوضع الراهن ومنع عودة الحركة إلى تعزيز صفوفها». وفي الوقت نفسه، يتحدث مسؤولون أمنيون عن وجود «خطط عملياتية للعودة إلى القتال في غزة إذا لزم الأمر»، مؤكدين أنهم في ما هم على «أهبة الاستعداد»، لكنهم ينبّهون إلى أن «الوقت ليس مناسباً الآن لاتخاذ خطوات متسرعة».
وعلى الصعيد السياسي، أكدت مصادر فصائلية مطلعة، لـ«الأخبار»، أن الوسطاء أبلغوا «حماس» بأنه جرى التفاهم مع الدبلوماسي البلغاري السابق نيكولاي ملادينوف، الذي عُين قائداً لـ«مجلس السلام»، على تجميد النقاش في البند الثامن المتعلّق بالسلاح، والبند الخامس المتعلّق بالديون المتراكمة على الحكومة في غزة. وبناءً على ذلك، سيعود وفد «حماس» إلى القاهرة نهاية الأسبوع، بهدف لقاء ميلادينوف بشكل مباشر، وتثبيت ما جرى التوصل إليه حتى الآن من تفاهمات. ووفقاً للمصادر ذاتها، فإن «حماس» تعتزم، خلال الساعات المقبلة، حلّ «لجنة الطوارئ الحكومية» في القطاع -بالتنسيق مع المصريين والفصائل-، على أن يقع الاختيار على شخصية بعينها لتسيير الأمور الإدارية، ريثما يتاح للّجنة الإدارية تسلّم إدارة القطاع.

