
خلال 24 ساعة فقط، ظهر رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، في مقابلتَين على شبكة «فوكس نيوز» الأميركية، مطلِقاً سلسلة مواقف عكست حجم مأزقه السياسي، واستمرار التوتر في علاقته بالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على خلفية مسار التفاهم الأميركي ـ الإيراني، فضلاً عن تراجع قدرة تل أبيب على فرض شروطها على واشنطن. وبدا واضحاً، في المقابلتَين، أن نتنياهو لم يكن يخاطب جمهوراً واحداً، بل ثلاثة في آن واحد: ترامب أولاً، والمسؤولين في إدارته و«الكونغرس» ثانياً، وقاعدة «الحزب الجمهوري» والداعمين لإسرائيل ثالثاً، وذلك في لحظة انتخابية حساسة يستعدّ فيها ترامب لانتخابات نصفية، فيما يتحضّر نتنياهو لانتخابات عامة داخل إسرائيل.
في المقابلة الأولى، أول من أمس، سعى نتنياهو إلى نفي وجود شرخ بين واشنطن وتل أبيب، معتبراً أن التباينات الظاهرة لا تتجاوز حدود العلاقة الطبيعية بين حليفَين لكلّ منهما حساباته الوطنية، ساعياً بذلك إلى نفي مسؤوليته الشخصية عن التوتر الحالي في تلك العلاقة. وقال نتنياهو إن ترامب يتصرّف بوصفه رئيساً للولايات المتحدة، ووفق ما يراه مصلحة أميركية، فيما يتصرّف هو بوصفه رئيس حكومة إسرائيل، ووفق ما يراه مصلحة إسرائيلية، مستدركاً بأن الطرفَين «يريان الأمور بعين واحدة في 99% من الأوقات». كما ردّ على التقارير التي تحدثت عن خلافات بينه وبين ترامب على خلفية المفاوضات مع إيران، بالقول إن الولايات المتحدة «لا تملك حليفاً أكبر من إسرائيل»، كما أن إسرائيل «لا تملك حليفاً أكبر من الولايات المتحدة».
بعد ذلك، انتقل نتنياهو إلى الملف الإيراني، مؤكداً أن إسرائيل والولايات المتحدة تتقاسمان الهدف نفسه: منع إيران من امتلاك سلاح نووي. لكنه نبّه إلى أن هذا الهدف، بالنسبة إليه، لا يتوقف على نجاح المفاوضات أو فشلها، قائلاً إن «إيران لن تحصل على سلاح نووي» ما دام رئيساً للحكومة، «سواء وُجد اتفاق أم لم يوجد». كما رفع نتنياهو سقف الشروط الإسرائيلية لأيّ تسوية مع طهران؛ فاعتبر أن المطلوب ليس تعهّدات إيرانية فحسب، بل تخلّي إيران عن برنامج السلاح النووي، وإخراج المواد النووية المخصّبة، وتفكيك مواقع التخصيب. وبذلك، بدا أنه يدفع في اتجاه شروط تتجاوز ما يمكن أن تقبل به واشنطن أصلاً في هذه المرحلة، والذي يقوم، عملياً، على ضبط البرنامج النووي الإيراني ومراقبته، لا تفكيكه بالكامل. ومع هذا، تجنّب نتنياهو إعلان قطيعة مباشرة مع المسار الأميركي؛ فعندما سُئل عن احتمال استمرار المفاوضات إلى ما بعد مهلة الستين يوماً التي تنتهي في آب/ أغسطس، رفض إصدار حكم مسبق، قائلاً إن الحكم يكون «في نهاية العملية لا في أثنائها».
تكشف المقابلتان محاولة نتنياهو إعادة تثبيت موقعه داخل واشنطن
كذلك، تطرّقت المقابلة إلى تصريحات نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، الذي حذّر مسؤولين إسرائيليين من مهاجمة ترامب بسبب التفاهم مع إيران، وقال إن «الولايات المتحدة هي الحليف القوي الوحيد المتبقّي لإسرائيل». وردّ نتنياهو على كلام فانس بإبداء احترامه للأخير، من دون أن يتبنّى موقفه كاملاً، مؤكداً في الوقت نفسه أن ترامب يبقى، بالنسبة إليه، «أعظم صديق» حظيت به إسرائيل. وفي الجزء المتعلّق بالرأي العام الأميركي، ربط نتنياهو بين تصاعد الخطاب المناهض لكيانه وبين نزعات معادية لأميركا نفسها، مبدياً قلقه من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الشباب الأميركيين.
وفي المقابلة الثانية، أمس، عاد نتنياهو إلى إيران، مقدّماً إياها بوصفها «نظاماً استبدادياً وعدواً لكلّ من الولايات المتحدة وإسرائيل». كما استحضر مشاهد تشييع المرشد الأعلى الراحل، الشهيد السيد علي الخامنئي، والهتافات بـ«الموت لأميركا» في خلالها، ليقول إن المواجهة لا تتعلّق بإسرائيل وحدها، بل بـ«عداء أيديولوجي مباشر للولايات المتحدة أيضاً». كذلك، جدّد نتنياهو الدعوة إلى منع إيران ليس فقط من امتلاك السلاح النووي، بل أيضاً من امتلاك وسائل إيصاله، في إشارة إلى الصواريخ. وعندما سُئل عن سبب استمرار النظام الإيراني رغم الضربات والحرب، زعم أن بقاءه يعود إلى امتلاكه «مئات آلاف العناصر» الذين يقتلون الناس في وضح النهار وفي الليل. ثم عاد، مرّة أخرى، إلى نفي وجود خلاف جوهري مع ترامب في هذا الشأن، قائلاً إن العلاقة معه «جيدة»، وإن الخلافات، حين تقع، تُدار بين «حلفاء يحترمون بعضهم بعضاً»، وإن اختلاف أسلوب التعبير لا يغيّر جوهر العلاقة.
وفي معرض حديثه عن الولايات المتحدة، بمناسبة مرور 250 عاماً على تأسيسها، بالغ نتنياهو في مديح الدور الأميركي، قائلاً إن أميركا كانت «قوة هائلة للخير»، وإنه «لولاها لما وُجدت ديمقراطية أو حرية في العالم». كما وصف إسرائيل بأنها «الدولة الوحيدة في المنطقة» التي لا تكتفي، بحسب تعبيره، بكونها ديمقراطية، بل «تحظى فيها الولايات المتحدة بتأييد شعبي واسع». وتناول نتنياهو زيارته المرتقبة إلى واشنطن أيضاً، مشيراً إلى أنه «لم يُحدّد موعد نهائي لها بعد»، مضيفاً أن أحد الملفات التي يريد دفعها خلالها هو مسار «السلام مع لبنان». واعتبر أن «إضعاف النظام الإيراني بفعل الضربات فتح الباب أمام مزيد من اتفاقات السلام».
أما العنصر الأبرز في المقابلة الثانية، فكان هجومه على تركيا؛ إذ دعا نتنياهو الإدارة الأميركية إلى عدم تزويد أنقرة بطائرات «F-35» أو بمحرّكات للمقاتلات، محذّراً من أن ذلك «سيخلّ بتوازن القوى في الشرق الأوسط»، وهو توازن قال إنه يقوم على «التفوق الجوي الإسرائيلي» والتموضع الأميركي في المنطقة. ووصف تركيا بأنها «دولة عظيمة»، لكنه هاجم رئيسها رجب طيب إردوغان، متّهماً إياه بالدعوة إلى تدمير إسرائيل، واحتلال نصف قبرص، وتهديد اليونان، والحديث عن «فتح القدس». كما قال إن الحكم في أنقرة متأثّر بجماعة «الإخوان المسلمين»، ويدعم «حماس»، ويعادي إسرائيل، ولم يقدّم شيئاً للولايات المتحدة في مواجهة إيران. وإذ خاطب، في معرض حديثه هذا، الجمهور الأميركي مباشرة، فهو حاول به تثبيت صورة إسرائيل بوصفها «الحليف النموذجي» للولايات المتحدة، في مقابل تركيا التي يسعى إلى تصويرها كطرف غير موثوق، وذلك قبيل قمة «الناتو» في أنقرة، ولقاء ترامب بإردوغان.

