
غزة | لم يكن منعدم الدلالة إصرار العدو الإسرائيلي على ملاحقة المسؤول في «اللجنة المصرية لإغاثة غزة»، محمد الوحيدي، واغتياله مساء أول من أمس؛ إذ أفادت شهادات ميدانية بأن الرجل، الذي تجاوز الستين من العمر، نجا من ضربة أولى استهدفت السيارة التي كان يستقلّها، ثمّ قضى في قصف طاوله مرّة ثانية، برفقة ثلاثة من المارّة، من بينهم طفلان شقيقان من عائلة الديري.
ويوحي الإصرار الإسرائيلي على القتل، من دون الالتفات إلى حجم الأضرار والضحايا، للوهلة الأولى، بأن المستهدف هو شخصية قيادية في الأذرع العسكرية لفصائل المقاومة الفلسطينية، غير أن جلّ ما فعله الرجل هو المساهمة في تنظيم فعاليات حضور مباريات كأس العالم في مخيّمات النزوح، بغرض حشد تأييد الشارع الغزي للمنتخب المصري. وفي البحث عن مبرّرات تدفع إلى اغتيال الرجل، لم يُعثر على تفسير سوى أن القتل هذه المرّة يعبّر عن امتعاض الإسرائيليين من تصريحات مدرّب المنتخب المصري، حسام حسن، التي أبدى فيها تضامنه مع فلسطين ودان المجازر الإسرائيلية في غزة.
ولم تكن عملية الاغتيال هذه سوى واحدة من سلسلة اعتداءات دامية تسبّبت باستشهاد 10 مواطنين في قطاع غزة في غضون 24 ساعة، غير أنها تكشف عن اتّساع مساحة «اليد المطلقة» المتاحة لإسرائيل في ممارسة القتل في القطاع، وإن فقط تعبيراً عن الغيظ. وتعكس الوقائع الميدانية التي سُجّلت خلال الأيام الماضية، بالفعل، نهجاً جديداً في التعاطي مع غزة، تستحلّ بموجبه إسرائيل المضيّ في القتل، إنما على نحو «هادئ» لا يثير حفيظة «المجتمع الدولي» أو انتقاده.
ففي خلال الأيام الثلاثة الماضية مثلاً، سُجّلت سلسلة جرائم «صامتة»، من بينها أولاً إعدام جيش الاحتلال سائق إحدى الشاحنات التجارية في مدينة رفح جنوبي القطاع. وفي مدينة خانيونس، أغارت الطائرات المسيّرة على خيمة تؤوي نازحين في منطقة المسلخ، ما أدى إلى سقوط ثلاثة شهداء. كذلك، قصفت الطائرات المسيّرة مركز إيواء في حي النصر في مدينة غزة، متسبّبةً باستشهاد مواطن وإصابة آخرين. أما في حي الزيتون، فأطلق جيش الاحتلال النار على الطفل عبد الرحمن بدوان، في حين قصفت الطائرات المسيرة سيارة مدنية بالقرب من مفترق الصناعة غرب مدينة غزة، الأمر الذي تسبّب بسقوط ثلاثة شهداء. أيضاً، قصف العدو سيارة مدنية أخرى قرب جامعة الأقصى في خانيونس، فسقط شهيدان، فيما أطلقت طائرة مسيّرة قنبلة في اتجاه تجمّع للمواطنين في حي التفاح.
أمّا على الصعيد الإنساني والإغاثي، فقد قلّصت إسرائيل دخول البضائع وشاحنات المساعدات، ليتراجع عدد الشاحنات من 600 يومياً إلى 250 شاحنة. وانعكس ذلك على الأسواق بارتفاع حادّ في أسعار السلع الاستهلاكية، بما يفوق القدرة الشرائية للسكان. ووفقاً للباحث الاقتصادي محمد أبو جياب، فإن السلع الأساسية، وعلى رأسها الخضروات والفواكه والمواد التموينية، ارتفعت أسعارها بما نسبته 300% عن ما كانت عليه قبل الحرب. ومع تعمّق الفجوة بين الواقع الاقتصادي الذي كان قائماً ونظيره الآن، فإن 90% من السكان أضحوا تحت خطّ الفقر، ويعتمدون في معاشهم على المساعدات وتكيات الطعام الخيرية.

