التهديدات المصرية لا تردع: إثيوبيا ماضية في «حرب المياه»

القاهرة | تصاعدت لهجة القاهرة في مواجهة التلويح الإثيوبي بتحرّكات أحادية إضافية على نهر النيل، وسط تكرار مسؤوليها الحديث عن «حق الدفاع الشرعي» عن الأمن المائي. ويأتي ذلك في ظلّ مضيّ أديس أبابا في تشغيل «سدّ النهضة» من دون اتفاق ملزم مع دولتَي المصبّ، وإعلانها أخيراً التوجّه إلى إقامة سدود إضافية، في ما تعدّه مصر تهديداً مباشراً لـ«أمنها القومي» وحصّتها المائية. وقال وزير المياه والطاقة الإثيوبي، هبتامو إتيفا، في مقابلة أخيراً، إن بلاده بنت «النهضة» «من دون طلب إذن» من أحد، وإنها ستبني سدوداً أخرى «إذا قرّرت تطوير مواردها». وادّعى أن الغرض من السدّ «هو توليد الطاقة الكهرومائية حصراً»، زاعماً أن المياه التي تُصرّف منه بعد إنتاج الكهرباء «متاحة تلقائياً لدول المصب بعد استخدامها لتوليد الطاقة»، وأن إثيوبيا امتنعت أيضاً عن تطوير أكثر من 230,000 هكتار من الأراضي التي يحتمل أن تكون قابلة، بذريعة النظر في مصالح الجيران. وإذ رفض هابتامو بشدّة مقترحات الإدارة المشتركة للسدّ الذي عدّه «مصدراً للفخر الوطني»، فهو اعتبر مطلب منح الدول الأخرى السيطرة عليه «مستحيلاً تماماً ولا يمكن تصوّره». في المقابل، قال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في تصريحات صحافية، إن مصر «لن تسمح بإقامة سدود إضافية على نهر النيل»، مؤكداً أن لها «حقاً مشروعاً في الدفاع عن مصالحها وأمنها المائي».
وكانت الإدارة الإثيوبية الأحادية لـ«النهضة»، بعد اكتمال إنشاءاته، أدّت إلى أزمات متكرّرة تضرّر منها السودان بصورة مباشرة خلال فيضان خريف 2025، ومصر بدرجة أقلّ، في وقت نفت فيه أديس أبابا، آنذاك، التسبّب بأزمة، وادّعت أن «تنظيمها» التدفّقات من السدّ أسهم في الحدّ من آثار الأمطار الغزيرة على الجيران. وفي هذا الإطار، تُبيّن مصادر مطّلعة، في حديث إلى «الأخبار»، أن القاهرة «كانت أقدر على استيعاب جزء من التدفّقات السريعة في بعض مواسم الفيضان المرتفع، مستفيدةً من مفيض "توشكى"». غير أن هذه القدرة، وفقاً للمصادر، لا تلغي القلق المصري من تغيّر توقيت وصول المياه إلى دولتَي المصبّ، ومن غياب آلية ملزمة لإدارة السدّ وتسوية الخلافات الفنية والقانونية المرتبطة به؛ إذ تتركّز المخاوف، خصوصاً، على فترات الجفاف والفيضان، في ظلّ عدم التوصل إلى قواعد تشغيل تضمن تبادل البيانات والإخطار المسبق بالتدفقات. ومع تكرار المسؤولين الإثيوبين حديثهم، خلال الأيام الماضية، عن رغبة بلادهم في بناء سدود إضافية تحت عنوان الاستخدام العادل للمياه وتحقيق التنمية المستدامة، تخشى القاهرة من أن تفضي هذه الخطط، إذا ما نُفّذت، إلى مزيد من التضييق على حصّتها المائية وتعزيز قدرة أديس أبابا على التحكّم بتدفقات النيل الأزرق.
تعوّل القاهرة على اتصالاتها مع دول حوض النيل لدعم موقفها
في ضوء ذلك، عادت القاهرة إلى تفعيل أدوات الضغط الدبلوماسي، منشّطةً اتصالاتها مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، والتي تسعى عبرها إلى إقناع «الشركاء» بأن هدف «سد النهضة» يتجاوز البعد التنموي الذي تروّج له أديس أبابا. وفي هذا السياق، تقول المصادر نفسها إن مصر لا تزال تتمسّك باتفاق عام 1959 مع السودان -الذي حدّد حصتها السنوية بـ55.5 مليار متر مكعب، مقابل 18.5 ملياراً للأخير-، فيما ترفض، ومعها الخرطوم، الاتفاقية الإطارية المعروفة بـ«اتفاقية عنتيبي»، التي تتبنّاها أديس أبابا باعتبارها إطاراً للاستخدام «العادل والمنصف» لمياه النهر -من دون تحديد حصص رقمية للدول-، والتي صادقت عليها ستّ دول من أصل 11 دولة تتشارك مياه النيل. وبحسب المصادر، فإن مصر تسعى إلى توظيف علاقاتها مع أطراف الاتفاقية، وخصوصاً تنزانيا، بهدف دفعها إلى إعادة النظر في موقفها، مستندةً خصوصاً إلى شراكتها مع الحكومة التنزانية في تنفيذ سدّ ومحطة «جوليوس نيريري» الكهرومائية، الذي افتُتح أخيراً على نهر روفيجي، في موقع بديل من آخر كان مقترحاً على نهر النيل.
وكانت القاهرة تعوّل على دور أميركي أكبر في الأزمة، بالاستفادة من التوتر بين واشنطن وأديس أبابا، ومن عرض الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في كانون الثاني الماضي، استئناف الوساطة على خطّ مصر وإثيوبيا والسودان. لكن هذا المسار فشل في إحراز أيّ انفراجة، لا سيما مع تمسّك مصر باقتران أيّ عودة إلى التفاوض بضمانات واضحة وجدّية إثيوبية حيال المطالبة بقواعد مشتركة للتشغيل وآليات لاتخاذ القرار. وإذ تنظر القاهرة إلى الإعلان الإثيوبي - الأميركي - الشهر الجاري - عن توسيع التعاون الدفاعي والأمني بين البلدَين، باعتباره «عاملاً يحدّ من الرهان على ضغط أميركي مباشر» على أديس أبابا، تشير المصادر إلى أن «التحركات الدبلوماسية لا تزال الخيار الوحيد حتى الآن»، مستدركةً بأن القاهرة «لن تقف صامتة أمام تنفيذ أيّ مشروع آخر على مياه النيل بصورة منفردة من أديس أبابا». وتؤكّد أن «الأخطاء التي ارتُكبت خلال مراحل تنفيذ سدّ النهضة لن تتكرّر»، موضحةً أن «الحديث عن حقّ الدفاع الشرعي لا يعني حصراً الخيار العسكري، بل يشمل مسارات أخرى بالتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين» -ومن بينهم دول حوض النيل-. كما تشدّد على أن العودة إلى المفاوضات تبقى مشروطة بـ«تقديم تنازلات إثيوبية وإثبات جدّية في التفاوض».

