قضايا المثلية والهوية والعبور الجندري تخيّم على برلين: «روز»... البنطال بياناً سياسياً
«كانت هناك حرّية أكبر في البنطال، لذلك ارتديته»، هكذا تبرّر روز (ساندرا هولر) قرارها بارتداء ملابس الرجال. الأمر بهذه البساطة، تستبدل تنورتها ببنطال، فتفتح أمامها أبواباً لم تكن متاحة لها من قبل.


«كانت هناك حرّية أكبر في البنطال، لذلك ارتديته»، هكذا تبرّر روز (ساندرا هولر) قرارها بارتداء ملابس الرجال. الأمر بهذه البساطة، تستبدل تنورتها ببنطال، فتفتح أمامها أبواباً لم تكن متاحة لها من قبل. تصبح قادرة على كسب مالها بيديها، ووراثة الممتلكات، وإدارة المزرعة، وامتلاك سلطة حقيقية، وتحقيق استقلال مالي لم يكن يُخيّل لامرأة في موقعها، في أوائل القرن السابع عشر.
يقدّم فيلم «روز» (Rose) للمخرج النمساوي ماركوس شلاينزر الذي عرض أخيراً في الدورة الحالية من «مهرجان برلين السينمائي»، بطلة أنثى للمرة الأولى في مسيرته كمخرج. وعلى غرار فيلمه «أنجيلو» (2018، «Angelo»)، يستند العمل إلى شخصية حقيقية، ووقائع موثقة (خدمت نساء كثيرات كجنديات خلال حرب الثلاثين عاماً)، إلا أنّ «روز» لا يقدّم نفسه كعمل تاريخي واقعي. القصة تتجاوز حدود الزمن والمكان لتلامس أسئلة إنسانية واسعة حول الهوية الجندرية، والمساواة.
قرار شلاينزر بالتصوير بالأبيض والأسود، يضع الفيلم منذ اللحظة الأولى في فضاء بصري مصطنع. عالم يتلاعب بالرموز السينمائية ويعيد تشكيلها، أبرزها إرث جان دارك الذي أعيد تصويره مراراً عبر التاريخ السينمائي. وفي هذا الإطار، يفتح الفيلم باباً واسعاً لمناقشة قضايا المثلية، والهوية والعبور الجندري، إلى جانب فكرة التحرر نفسها.
نحن في قرية بروتستانتية نائية في ألمانيا، بعد سنوات قليلة من انتهاء حرب الثلاثين عاماً (1618–1648). يظهر غريبٌ لا يعرفه أحد. ملامحه حادة، نظرته ثابتة، وقبعة عريضة الحواف تخفي جزءاً من وجهه الذي تشقه ندبة طويلة تمتد من الخد حتى زاوية الفم.
يستلهم الفيلم إرث جان دارك الذي أعيد تصويره مراراً في السينما
يعلن أنه الوريث الشرعي لعقار مهجور، ويحمل وثائق تثبت ذلك، أو هكذا يبدو. لكن الراوي، بصوت يذكّر بنبرة النصوص الدينية القديمة، يكشف الحقيقة: هذا الرجل هو روز، التي قررت في طفولتها أن تتنكر في هيئة رجل وتلتحق بالحرب. تروي روز لسكان القرية أنّ الندبة سببها طلقة نارية، والرصاصة المشوهة التي اخترقت وجهها لا تزال معلّقة حول عنقها.
تجسّد روز أخلاقيات العمل البروتستانتية بصرامتها المعهودة، وتفرض حضورها المتسلّط على عمّالها، فيقبلها أهل القرية بوصفها المالك الجديد كما تدّعي. تنجح في إعادة الحياة إلى المزرعة المتهالكة، وتستعيد خصوبة الحقول بعد سنوات من الخراب. ومع ذلك، يبقى قبولها الاجتماعي ناقصاً. فالمجتمع، حتى في لحظات ازدهاره، لا يكتفي بالعمل والإنجاز. يهمس أحدهم بنبرة تقريرية: مالك الأرض يحتاج إلى زوجة وطفل. وكأن كل ما حققته لا يكتمل إلا بإعادة إدراجها، أو بالأحرى إدراج «الرجل» الذي تمثّله، في القالب الاجتماعي الذي لا يعترف بالاستقلال إلا إذا كان مصحوباً بنظام العائلة التقليدي.
أسلوب الفيلم صارخ بقدر ما هو كئيب، تماماً كحكاية روز نفسها. الكاميرا تعود مراراً إلى قفر المناظر الجبلية، تلتقطها بالأبيض والأسود بحدة بصرية لا ترحم، وتبقى على مسافة محسوبة من الشخصيات، كأنها ترفض منح أيّ منها دفء الاقتراب. هذا الابتعاد المتعمّد يخلق فراغاً بصرياً يبتلع المشاهد ويجعله شريكاً في عزلة البطلة. الراوي، بصوته المتضخم على نحو غريب، يقدّم المعلومات الضرورية بنبرة تكاد تكون مسرحية. يستخدم شلاينزر هذا الأسلوب بذكاء ليزرع قلقاً خفياً.
أما أداء ساندرا هولر، فهو إنجاز تمثيلي جديد. تجسّد هولر بإتقان التزام روز الصارم بالحياة التي فرضتها على نفسها عبر خداع طويل الأمد. حياة مبنية على الإنكار المستمر لكل ما قد يفضح هويتها. وعندما تنفجر مشاعر روز أخيراً، تتغيّر ملامحها بالكامل، كأن وجهها تخلّى عن كل ما كبته طوال الفيلم.
