لانس هامر... يا خريف العمر!
دراما صادمة عن الخرف تضع الحبّ والقانون في مواجهة مباشرة. في «ملكة عند البحر»، يفتتح لانس هامر فيلمه بمشهد يربك الحدود بين الرغبة والموافقة، بين الرعاية والاستغلال.


دراما صادمة عن الخرف تضع الحبّ والقانون في مواجهة مباشرة. في «ملكة عند البحر»، يفتتح لانس هامر فيلمه بمشهد يربك الحدود بين الرغبة والموافقة، بين الرعاية والاستغلال. عمل يرفض الأجوبة السهلة، ويقود المشاهد إلى منطقة رمادية تختبر الأخلاق، العائلة، والخوف من فقدان الذات
من الصعب تخيّل افتتاحية أكثر فجاجة ووضوحاً لدراما عن الخرف مما يقدّمه المخرج الأميركي لانس هامر في اللحظة الأولى من «ملكة عند البحر» (Queen At Sea)، المشارك في المسابقة الرسمية لـ «مهرجان برلين السينمائي» الحالي.
افتتاحية صادمة: سؤال الموافقة والسلطة
يبدأ الفيلم بلا تمهيد ولا تلطيف. أماندا (جولييت بينوش) تفتح باب بيت والدتها لتجد الأم ليزلي (آنا كالدر مارشال) وزوجها مارتن (توم كورتيناي)، وهما في العمر نفسه تقريباً، غارقين في علاقة حميمة مدعومة بقرص فياغرا.
المشهد ليس صادماً بحد ذاته بقدر ما هو مُربك، لأن الطبيب كان قد حسم أخيراً أن ليزلي، المصابة بخرف متقدّم، لم تعد قادرة على تقديم موافقة واعية لأي نشاط جنسي. مارتن نفسه كان قد تعهّد بالامتناع. ولهذا، حين تتصل أماندا بالشرطة، فهي لا تفعل ذلك بدافع الانتقام، بل بدافع يائس لحمل الرجل على الالتزام بوعده. لكن الأمور ــــ كما يحدث دائماً حين تتدخل الدولة في أكثر المساحات حميمية ــــ تنفلت من يد الجميع.
في هذه اللحظة، يبدو أن الفيلم يقف عند مفترق طريق. إما أن ينزلق إلى كابوس بيروقراطي، حيث تُسحق حياة زوجين عجوزين بين مطرقة الشرطة والخدمات الاجتماعية، أو أن يتحوّل إلى تلك الميلودراما الرومانسية التي تُصوّر الخرف كاختبار للحب الأبدي. لكن هامر، لحسن الحظ، لا يقع في أي من الفخّين. فالحادثة التي تشعل الشرارة الأولى ليست مجرد موقف محرج، بل سؤال أخلاقي وقانوني معقّد، لا يمكن اختزاله في ثنائية الجاني والضحية.
نعم، من الناحية القانونية قد يُصنّف ما حدث كاغتصاب، لكن العلاقة بين ليزلي ومارتن ليست علاقة استغلال. هناك حب واضح، اعتماد متبادل، ورجل أمضى عقوداً وهو يعتني بامرأة أصبحت الآن تعتمد عليه في كل شيء تقريباً. وبينما يتقدّم الخط الدرامي الرئيسي، ينسج هامر خيطاً جانبياً يتناول علاقة أماندا بابنتها سارة (فلورنس هانت). مراهقة تقف على عتبة اكتشاف الذات والحبّ الأول. هذه الحبكة الفرعية تبدو، في معظم الأحيان، كأنها مُضافة لتخفيف الضغط العاطفي. لكنها أيضاً تُذكرنا بأن الارتباك الجنسي ليس حكراً على الشيخوخة.
دراما المنطقة الرمادية
ثمانية عشر عاماً تفصل لانس هامر عن فيلمه الأول، وكأن الرجل كان يحتاج كل هذا الزمن ليعود ويقدّم دراما ناضجة، مُربكة، ومشحونة بالتناقضات التي تنشأ حتى بين أكثر الناس حباً ونية حسنة. فيلم بلا أجوبة نهائية، بلا خلاصات مُريحة، فيلم يتركك في منطقة رمادية. بعيداً من تصوير هامر الصريح والقاسي للمؤسسات العامة، وهو نقد يذكّر بتوترات الخدمات الاجتماعية عند كين لوتش ومايك لي، فإن الألم هنا ليس في المرض نفسه، بل في ارتباك أماندا، في شعورها بأنها ربما ارتكبت خطأ لا يمكن التراجع عنه، وفي إدراكها المتأخر بأنها لا تعرف كيف تتعامل مع والدتها.
المفارقة أن مارتن، رغم كل ما يُثيره موقفه من قلق، يبدو أحياناً أكثر ثباتاً منها، كأنه الوحيد الذي ما يزال متمسكاً بخيط عاطفي لا يريد أن ينقطع. لكن النصف الثاني من الفيلم يتخذ منحى مختلفاً. تتشابك الأحداث، وتتحول الدراما تدريجاً من حزن ثقيل إلى شيء أكثر قسوة، كأن الفيلم يختبر حدود احتمالك كمشاهد، ويدفعك إلى مواجهة ما لا تريد التفكير فيه حتى.
الرعاية والخوف من فقدان الذات
لا يتناول الفيلم فقط حياة كبار السنّ الجنسية، بل يفتح ملفاً أكبر. الرعاية، الاستغلال، الخوف من فقدان الذات، والخوف الأكبر من مشاهدة شخص تحبه وهو يفقدها. «ملكة عند البحر» يتمركز تحديداً في تلك المنطقة المزعجة. منطقة لا تُرحّب بك، ولا تشرح نفسها، لكنها تكشف هشاشة الإنسان حين يقترب من نهاياته. صحيح أن هامر يتردد في مرحلة ما، كأنه غير متأكد من الطريق الذي يجب أن يسلكه لإنهاء القصة. مع ذلك، هناك خاتمة مُرتبكة، مُحمّلة بالشك، لكن موجودة، لأن الحياة، حتى في أكثر لحظاتها قسوة، تصرّ على أن تُكمل.
